تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شوكتها، وعضد خصلتها، بعد أن نعموا بضعة قرون ثمرتها، وإنما تلك الشجرة

الطيبة هي القرآن الكريم الحكيم المجيد العربي المبين، هي الزيتونة المباركة

الموصوفة بأنها لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار , فإذا

مسته نار الإيمان بحرارتها اشتعل نورا على نور {يهدي الله لنوره من يشاء

ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} (النور: 35) .

وإنما أعني بقطع هذه الشجرة المباركة من أرض الشعب التركي محاولة

حرمانه منه، ذلك بأنهم ترجموا القرآن بالتركية لا ليفهمه الترك، فإن تفاسيره

بلغتهم كثيرة، وكان من مقاصد إبطال المدارس الدينية إبطال دراستها، وحظر

مدارسة كتب السنة وكتب الفقه ونحوها؛ لأنها مشحونة بآيات القرآن العربية،

وبالأحاديث النبوية العربية، وبآثار السلف الصالح العربية، وبالحكم والأمثال

وشواهد اللغة العربية، وهم يريدون محو كل ما هو عربي من اللغة التركية، ومن

أنفس الأمة التركية، حتى إنهم ألفوا جمعية خاصة لما عبروا عنه (بتطهير اللغة

التركية) من اللغة العربية، واقترح بعضهم كتابة لغتهم بالحروف اللاتينية، وإذا

طال أمد نفوذ الملاحدة في هذا الشعب الإسلامي الكريم فإنهم سينفذون هذا الاقتراح

قطعا كما نفذوا غيره , حتى استبدل قرآن تركي بالقرآن الذي نزل به الروح الأمين،

على قلب خاتم النبيين، بلسان عربي مبين، المتعبد بألفاظه العربية بإجماع

المسلمين، والمعجز ببلاغته العربية لجميع العالمين، وكونه حجة الله تعالى عليهم

إلى يوم الدين.

أرأيت أيها القارئ هذا الخطب العظيم؟ أرأيت هذا البلاء المبين؟ أرأيت هذه

الجرأة على رب العالمين؟ أرأيت هذه الصدمة لدين الله القويم؟ أرأيت هذا الشنآن

والاحتقار لإجماع المسلمين؟ ورفض ما جروا عليه مدة ثلاثة عشر قرنا ونصف،

ثم أرأيت بعد هذا كله ما كان من تأثير ذلك في مصر أعرق بلاد الإسلام في الفنون

العربية، والعلوم الإسلامية؟

لقد كان من تأثير ذلك ما هو أقوى البراهين على فوضى العلم والدين،

واختلال المنطق وفساد التعليم، والجهل الفاضح بضروريات الإسلام وشؤون

المسلمين، لقد كان أثر ذلك الجدال والمراء، وتعارض الآراء والأهواء وتسويد

الصحائف المنشرة بمثل ما شوهوها به في مسألة الخلافة، وقد كان يجب أن

تكون مسألة القرآن أبعد عن أهواء الخلاف، للنصوص الكثيرة الصريحة فيها،

وإجماع السلف والخلف العلم والعمل عليها، وعدم شذوذ أصحاب المذاهب والفرق

حتى المبتدعة عنها، فقد كثر الخلاف والتفرق في الدين، وتعددت الأحزاب والشيع

في المسلمين، على ما ورد في النهي عن ذلك والوعيد عليه في الآيات الصريحة،

والأحاديث الصحيحة، وارتد بعض الفرق عن الدين، مع ادعائه بضروب من فاسد

التأويل، وسخافات من أباطيل التحريف، كما فعل زنادقة الباطنية وغيرهم، قبل

أن يقووا ويصرحوا بكفرهم، ولم تقم فرقة تنتمي إلى الإسلام بترجمة القرآن، ولا

ضلت طائفة بترجمة أذكار الصلاة والأذان، لأجل الاستغناء بها في التعبد لله، عن

اللفظ المنزل من عند الله، وإنما قصارى ما وقع من الخلاف فيما حول ذلك من

فروع المسألة، ومن تصوير الفقهاء للوقائع النادرة، أنه إذا أسلم أعجمي مثلا ,

وأردنا تعليمه الصلاة فلم يستطع لسانه أن ينطق بألفاظ الفاتحة , فهل يصلي

بمعانيها من لغته، أم يستبدل بها بعض الأذكار العربية المأثورة مؤقتا , ريثما يتعلم

القرآن كما ورد في بعض الأحاديث، أم يصلي بترجمة الفاتحة بلغته؟ نقل الثاني

عن أبي حنيفة وحده مع مخالفة جميع أصحابه له , ونقل عنه أنه رجع عنه إلى

الإجماع، ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه عمل به (على أنه لا حجة في عمل

أحد ولا في قوله غير المعصوم) فكان هذا الإجماع العام المطلق مما يؤيد حفظ الله

تعالى للقرآن , أراد ملاحدة الترك أن يبطلوه في هذا الزمان {يريدون ليطفئوا نور

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٤