تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الشافعي رحمه الله تعالى: وعرفنا قدر نعمه، بما خصنا به من مكانة

فقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه

.....

} (التوبة: 128)

الآية، وقال: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾ (الجمعة: 2) الآية.

وكان مما عرف الله تعالى نبيه عليه السلام من إنعامه عليه أن قال: {وإنه لذكر

لك ولقومك} (الزخرف: 44) فخص قومه بالذكر معه بكتابه، وقال: {وأنذر

عشيرتك الأقربين} (الشعراء: 214) وقال: ﴿لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ (الأنعام: 92) وأم القرى مكة وهي بلده وبلد قومه فجعلهم في كتابه خاصة،

وأدخلهم مع المنذرين عامة، وقضى أن ينذروا بلسانهم العربي لسان قومه منهم

خاصة.

فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله

إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله تعالى

وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير

ذلك، وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به

آخر كتبه، كان خيرا له، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما

أمر بإتيانه ويتوجه لما وجه له ويكون تبعا فيما افترض عليه وندب إليه لا متبوعا.

قال الشافعي رحمة الله: وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب

دون غيرهم؛ لأنه لا يعلم من إيضاح مجمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب

وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمها انتفت عنه الشبه التي دخلت

على من جهل لسانها، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة

نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، أو إدراك نافلة خير لا

يدعها إلا من سفه نفسه وترك موضع حظه، فكان يجمع مع النصيحة لهم قياما

بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين طاعة لله، وطاعة الله جامعة

للخير. انتهى.

هذا ما قاله الإمام الشافعي في رسالة الأصول الشهيرة المطبوعة بمصر

بنصها، ولا تحسبن أن هذا مذهب له، خالفه فيه غيره من أئمة المسلمين، كلا إنه

إجماع لا اختلاف فيه، وقد اشتهرت رسالته هذه في جميع أقطار الإسلام؛ إذ كانت

هي أول ما كتب في أصول الفقه، وقد خالفه بعض المجتهدين في بعض مسائل

الأصول دون هذه المسألة فلم يخالفه ولم يناقشه أحد فيها، ولا فيما أورده من الأدلة

عليها. وأوضح الأدلة على هذا إجماع المسلمين سلفا وخلفا على التعبد بتلاوة القرآن

العربي وأذكار الصلاة والحج وغيرهما بالعربية، لم يشذ عن هذا سني ولا شيعي ولا

إباضي ولا معتزلي ... نعم إن الخلف قد قصروا في دراسة هذه اللغة فعطلوا بذلك

بعض ما أمرهم الله تعالى به من تدبر القرآن والعبرة والاتعاظ بآياته وفهم عقائده وفقه

أحكامه، ولكن روي قول شاذ عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى بجواز أداء بعض

أذكار الصلاة بغير العربية لمن تعذر عليه تعلم ما يجب منها، وقد نقل عنه أيضا أنه

رجع عن هذا القول، على أنه مقيد بالضرورة الشخصية، ولم يقل هو ولا غيره

بإطلاق ذلك وأنه يسع أي شعب أعجمي أن يستغني في دينه عن لغة كتابه وسنته،

والدليل على هذا أن جميع مقلديه من الأعاجم لا يزالون يقرءون القرآن وأذكار الصلاة

والحج وغيرها بالعربية وكذلك خطبة صلاة الجمعة والعيدين إلا ما شذت به الحكومة

الكمالية التركية في العام الماضي فأمرت الخطباء بأن يخطبوا بالتركية.

وليست عبادات الإسلام وحدها هي التي تتوقف على العربية بل أحكام

المعاملات تتوقف عليها أيضا؛ فإن أحكام الشريعة بجميع أنواعها حتى المدنية

والسياسية متوقفة على الاجتهاد المعبر عنه في عرف هذا العصر بالتشريع، وقد

أجمع علماء الأصول من جميع المذاهب الإسلامية على توقف الاجتهاد في الشرع

واستنباط الأحكام على معرفة اللغة العربية معرفة تمكن صاحبها من فهم أحكام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٥٦