تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1330-1912

) ، فأرسل إلي برقية بأن أعود في البحر؛ خوفا على من فتك أحمد

جمال باشا السفاك، إذ كان وقتئذ والي بغداد والقائد العام لجيش العراق، ولكن

الله سلم، على أن الفقيد لم ييأس من الدولة كل اليأس إلا في أثناء الحرب العامة

وما كان من جمال باشا فيها.

فهذه جملة سيرة فقيدنا السياسية، ولولا بعض آثاره العلمية لما كان له شيء

يؤثر عنه من وراء السياسة إلا أخلاقه العالية وآدابه السامية.

***

أخلاقه وآدابه

قد أوتي الفقيد حظا عظيما من الآداب الاجتماعية والفضائل النفسية والفواضل

العملية، كان نزيه اللسان طاهر القلب، منزها عن الحسد والحقد، وفيا لأصدقائه،

برا بأهله وصولا لرحمه، متواضعا في عزة نفس، ذا مروءة صادقة، ونفس

سخية، ويد مبسوطة، حسن الضيافة، كثير الصدقات والمساعدات للجمعيات

الخيرية، قليل التبجح والدعوى، ما عاشره أحد من قومه ولا من غيرهم من

الشعوب إلا وأحبه واحترمه، ومن آدابه التي يجب أن تذكر بالنص في هذه

الترجمة الوجيزة أنه تزوج ولم يرزق ولدا، ولا كان مغتبطا، ولم أسمع منه ولا

عنه منذ عقدت له عقد زواجه إلى أن توفاه الله تعالى كلمة تؤذن بحسرته على

الحرمان من الولد أو الميل إلى التزوج بامرأة أخرى مع زوجه أو بعد تطليقها،

فهذا من أعجب الوفاء، والصبر والقناعة آداب يقل نظيرها في هذا العصر وفي كل

عصر.

وكان معتدلا في أمور معيشته، يقتصر على اللائق به من اللباس وجيد

الطعام، من غير اهتمام بالتطرز، ولا جنوح إلى التورن، ولا إنفاق في التنعم،

ولكنه كان شديد الولوع بدخان التبغ، وكثير الاختلاف إلى بعض المقاهي العامة

على قلة عنايته بالملاهي، وإنما كثر ذلك منه بعد أن ضعف جسمه، وصار يتعب

من الكتابة والمطالعة.

وجملة القول أننا قد فقدنا بفقد هذا الصديق الوفي المهذب، وأن الأمة

العربية قد فقدت بفقد الابن البار العامل رجلا لا عزاء عنه إلا أنه قد انتهى إلى حال

من الضعف والأمراض، لا هناء له في الحياة معه، ولا رجاء في الانتفاع بشيء

من مواهبه وتجاربه، فرحمه الله تعالى، وعفا عنا وعنه، وأدخلنا وإياه برحمته

في عباده الصالحين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: شكيب أرسلان

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١١٩