رجب - 1342ه
فبراير - 1924م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
خطاب عام للمسلمين
(2)
الجناية الثالثة: الظلم والاستبداد في الحرمين
إن استبداد الملك حسين , وظلمه في الحجاز لا نعلم له نظيرا في حكومة
وطنية من حكومات العالم في هذا العصر , وإنما هو كحكم أشد المستعمرين للأمم
الضعيفة قسوة وطمعا في ابتزاز الأموال وإذلال الناس، فأهل الحجاز في هذا العهد
بائسون ذليلون , ولا يتجرأ أحد منهم على الشكوى بقول ولا كتابة، ونحن قد أمكننا
الوقوف على كثير من الحقائق الآتية من بعض أهل البصيرة والتحقيق من حجاج
الموسم الأخير , الذين لهم أصدقاء في الحجاز يثقون بهم , ومما اختبروه بأنفسهم
على كثرة الجواسيس , وحرص الملك على مراءاة الحجاج، وقد جاءتنا رسالة
طويلة في وصف حالة الحجاز من أحد حجاج الموسم الماضي من جزائر الهند
الشرقية , فنلخص من هذا وذاك ما يتعلق بغرضنا بالإيجاز ونجعله عدة أقسام:
المظالم المالية:
(1) كل ما يرد على مكة من الأنعام ينتقي الملك كرائمها وخيارها لنفسه ,
بواسطة سمسار له اسمه (إبراهيم) فيدفع ثمن الجمل الأعلى منها 25 ريالا مجيديا
(تساوي 120 قرشا مصريا) إذا كان الأدنى يباع بخمسة وعشرين جنيها مصريا ,
ويعطي ثمن الكبش الجيد بل الأجود ريالين مجيدين , إذا كان الأدنى منها يساوي
عشرة ريالات.
(2) يأخذ مكسا على كل جمل ثلاثة ريالات مجيدية (30 أو 35 قرشا
مصريا) , وعلى كل ثور أو بقرة خمسين قرشا مصريا؛ لأنه لا يأخذ منها لنفسه
كما يأخذ من الإبل والغنم , هذا إذا كانت الإبل والبقر للعمل , وأما إذا كانت للذبح
فيأخذ عن كل رأس عشرة ريالات , ومن المعلوم أن الإبل لا تذبح في الحجاز إلا
إذا هزلت , وتعذر الحمل عليها والسفر بها , وإن كان الجمل الهزيل الضعيف قلما
يباع بأكثر من عشر ريالات , وقد يباع بخمسة، ولكن الملك يأخذ عليه عشرة
ريالات مهما يكن ثمنه الذي بيع به , فيضطر الجزار بذلك إلى بيع لحمه غاليا ,
وهو لا يأكله إلا الفقراء فيكون الغبن عليهم.
(3) كل من يأتي مكة أو غيرها من بلاد الحجاز بشيء للبيع من خارجها ,
ولو كان من البدو أو أهل القرى الحجازيين , يجبر على أخذ ثمنه ريالات مجيدية
وقروش عثمانية (مما يسمى في سورية متلبك , وفي الحجاز هلل) ؛ لأن الذهب
خاص بالملك، وهذه السكة لا تروج عند الأعراب , الذين يأتون بالماشية وغيرها
إلى مكة , فيرغبون أن يشتروا بثمنها أقواتا أو أقمشة لعيالهم , ولكن الشراء من مكة
محرم في شرع الملك إلا برخصة من الديوان الهاشمي - ويعبر عنها بالفسح -
وقد يتأخر صدور (الفسح) ولا سيما إذا كثر طلابه حتى ينفق الغريب ما باع
منه , ويرجع إلى عياله بغير شيء , ولا سيما إذا كان ما باعه قليلا كالوقود والفاكهة.
(4) يأخذ على كل صفيحة سمن خمسين قرشا مصريا , وكان السمن الجيد
يأتي من نجد وعسير , فانقطع مجيئه من نجد وقل من عسير بسبب إجبار تجاره
على أخذ ثمنه من النقد العثماني , الذي لا يروج عندهم، فصارت أقة السمن
البحري الرديء المغشوش تباع بثلاثة مجيديات , وكانت الآقة من الجيد تباع بربع
مجيدي إلى نصف ريال , إذا اشتد الغلاء , وأقة اللحم بريالين , وكانت بقرشين ,
فأصبح أهل مكة في ضيق , لم يعرفوا له نظيرا إلا في تلك الأيام , التي اتفق فيها
سيدهم مع الإنكليز على منع الأقوات من الحجاز ليواتوه على الثورة.
(5) يأخذ عن كل بضاعة تأتي من البحر إلى الحجاز ثلاثين في المائة
من ثمنها , إلا الكماليات: كالحرير فيأخذ منها خمسين في المائة , وذلك بحسب
أسعارها في سوق جدة لا بحسب السعر الذي اشتريت به، ونترك الكلام في
اقتراض الملك من تجار جدة ألوف الجنيهات , على أن توفى من المكوس التي
تستحق عليهم , ومطل إدارة المكس وتسويفها لهم، بعذر الحاجة إلى المال , ولا
مشتكى إلا إلى الله.
(6) أبطل جميع الأفران التي للأهالي , وفتح أفرانا لنفسه , يعطيها الدقيق
المختلط من عنده , ويكره الناس على الشراء منها دون غيرها , وهو يربح منها كل
يوم أكثر من تسعين جنيها من مكة , وجاء في رواية أخرى كتبها بعض الحجاج
المصريين أنه يربح من أفرانه ثلاثمائة جنيه في كل يوم , وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم: (احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه) رواه البخاري في تاريخه وأبو
داود وأشهر رواة التفسير بالمأثور من حديث يعلى بن أمية , وفي لفظ من حديث ابن
عمر مرفوعا: (احتكار الطعام بمكة إلحاد) رواه البيهقي في شعب الإيمان، وروى
سعيد بن منصور والبخاري في التاريخ أيضا وابن المنذر عن عمر بن الخطاب
أنه قال: (احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم) . روي عن ابن عباس أنه قال: في
تفسير الآية: (تجارة الأمير بمكة إلحاد) . فما بال المكوس؟ !
(7) جعل قيمة الجنيه سبعة ريالات مجيدية , يغرم من يخالف ذلك بمبلغ
من المال له , لكنه يبيع الذهب للصيارف بألوف الجنيهات , كل جنيه باثني عشر
ريالا ثم يجبرهم على إعطائه الجنيه بالسعر الرسمي , وهو سبعة ريالات، والتجار
يرفعون الأثمان؛ لتقرب من سعر الذهب، ومن فوائد الملك من ذلك أن من كان
راتبه من رجال حكومته عشرة جنيهات , يعطيه 72 ريالا قيمتها الحقيقية ستة
جنيهات.
(8) ما يأخذه من الغرامات , وينزله من العقاب على من يخالف السعر أو
يعترض على اختلاف ما يأخذه هو ويعطيه، لا مستند له إلا رأيه، وقد جازى
التجار على ذلك مرارا , حتى بلغت الغرامة من جماعتهم من مائة جنيه إلى ثلاثمائة
جنيه , بل عاقب بعد الموسم خمسة من تجار مكة المحترمين بالجلد الشديد وكنس
الشوارع؛ لأن جواسيسه بلغوه عنهم أنهم قالوا: إن سعر النقود العثمانية سينزل ,
حتى مات أحدهم من شدة الضرب , كما جاء في كتاب خاص من مكة لأحد التجار
هنا.
(9) استأثر لنفسه بالغلال المصرية سنتين , فلم يعط المستحقين شيئا حتى
مات بعض المستحقين لها من فقراء المدينة المنورة جوعا , ثم صار يعطي الأحياء
نصف ما يستحقونه , ويستأثر بحصص الأموات كلها , فلا يعطي ورثتهم منها
شيئا , ولعل هذا أحد أسباب امتناع الحكومة المصرية , عن إعطائه مخصصات
الأهالي؛ لأجل أن يتولى توزيعها عليهم مستخدموها , في التكيتين المصريتين بمكة
المكرمة والمدينة المنورة.
(10) استبد بوقف الشريف أبي نمي فلا يوزعه على المستحقين من ذريته
حسب شرطه , حتى قيل: إن بعض الشريفات يخرجن في الليل متسولات , يتكففن
أيدي الناس في الشوارع.
(11) قد استعار من أغنياء مكة أثاثا ورياشا وماعونا كثيرا , للدار التي
أنزل فيها السلطان وحيد الدين المخلوع وحاشيته , ثم لما ذهب السلطان من مكة
استأثر بهذه العواري النفيسة، ولم يردها إلى أصحابها.
(12) جمع ثلاثين ألف جنيه من أهل الحجاز بالإكراه والإجبار , ومن
الحجاج بالاختيار؛ لإعانة المسجد الأقصى، وأرسل منها اثني عشر ألف
وخمسمائة جنيه، وقد نشر في جريدة القبلة ما أخذ من كبار التجار والموظفين في
الحكومة ومن الحجاج , وأما ما أخذ من العوام وصغار التجار فلم ينشر فيها [1] .
(13) ذهب إلى مكة الشرفاء زامل وجعفر وعلي أولاد السيد ناصر أخي
الملك فوضعهم الملك تحت المراقبة الشديدة والقهر , وكان مرادهم الإقامة في مكة
شهرا واحدا , فأكرههم على الإقامة زهاء سنة , ولما عادوا إلى مصر أرسل إلى
وكيل أطيانه إسكندر بك طراد كشف فيه أنه أنفق عليهم في مكة ألف وثمانية
وعشرين جنيها وكسورا , وأمره أن يطالب أخاه الشريف ناصر بهذا المبلغ ,
وينذره بإمساكها من إيراد الوقف المشترك , إذا لم يؤدها إليه نقدا.
***
العقاب والأحكام
إنه يذيع في جريدته القبلة أن أحكامه كلها شرعية , مستمدة من الكتاب والسنة،
والواقع الذي يعرفه أهل الحجاز ومن أقام فيه زمنا يزيد على مدة الحج من غيرهم ,
ولا سيما الذين استخدموا فيه - أن أحكامه شخصية محضة , لا يتقيد فيها بقيد
من شرع ولا مشاورة، ولا قانون، وهو وإن كفر الترك والمصريين بوضعهم
للقانون الأساسي وغيره , فقد وضع بعض القوانين وأمر بتنفيذها ومنها:
(قانون هيئة المعاملات العمومية) الذي أمر فيه بتشكيل لجنة بهذا الاسم ,
تفصل في قضايا الإجارة والديون (والكشفيات ونحوها) , مما هو من خصائص
المحاكم بدون محاكمة شرعية , وفيها أحكام وضعها برأيه لم يرجع فيها إلى
دليل شرعي , وسماها دستورا للعمل كما سماها قانونا، وقد أعطى بهذا القانون
حق الاجتهاد لأعضاء اللجنة , في كل فروع الإجارات غير الداخلة في المادة 43
منه , ولا حاجة بنا إلى تفصيل ذلك , بل المراد به التنبيه على أنه يحرم على أهل
البلاد التركية والمصرية , ما أباحه لنفسه من وضع القوانين , وإن كان هو
وجميع أعضاء حكومته دون أهل هاتين المملكتين علما بالشرع , وبأصول القوانين
وفروعها.
***
قانون الطاغوت أبي نمي
وأدهى من هذا وأعظم في رد الشرع ونبذه وراء الظهر، وتفضيل حكم
الطاغوت على حكم القرآن المنزل من عند الله عز وجل، حكمه بقانون جده الأمير
أبي نمي في جميع مسائل الدماء بين البدو. ومن أصول مواد هذا القانون أن دم
شرفاء الحجاز مربع , فإذا قتل أحدهم يقتل به أربعة من خواص رجال القبيلة
المتهمة بقتله، ولا شك في أن استحلال هذا كفر وردة عن الإسلام. وإن إمام
المسلمين وخليفتهم يجب عليه شرعا أن يقاتل من يتحاكمون ومن يحكمون بمثل
هذا وغيره , من أصول الجاهلية المقررة فيه، ومرجعها كلها إلى ما يسمونه
(السوالف) , وهي الأحكام السابقة التي قبلها سلف المتحاكمين؛ أي: شيوخ قبيلتهم
من قبلهم في مثل واقعة الدعوى، فالأحكام التي قبلها طواغيتهم هي التي
يرضونها ويحكم لهم بها من يدعي أنه أحق الناس بخلافة النبوة وإقامة شرع
الإسلام , ومن شاء أن يعرف منزلة هذا القانون من الكفر والنفاق فليراجع تفسيرنا
لقوله تعالى من سورة النساء {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما
أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} (النساء: 60) الآيات.
وقد حدثنا الضابط نوري بك الكويرى (من بني غازي) الذي كان في الجيش
العربي المنظم , الذي يساعد الحجازيين في حصار المدينة المنورة , أن أحد البدو
قتل ضابطا أو جنديا حضريا من الجيش المنظم , واعترف بأنه قتله عمدا , فطلب
الضباط وغيرهم قتله قصاصا , بمحاكمة عسكرية أو شرعية , فامتنع قائدهم العام
الشريف عبد الله , ورفع الأمر إلى الملك فأمر بإرسال الضباط الذي طلبوا القصاص
إلى مصر بحيلة , وإعلامهم بعد ذلك بطردهم من الجيش الهاشمي، وكذلك كان،
ويعلم جماهير الناس في شرق الأردن وفلسطين أن عبيد الأمير عبد الله فوق الشرع
والقانون في إمارته البريطانية الحقيرة , فلا يحاكمون ولا يعاقبون على فاحشة ولا
منكر.
وأما ما نقلته جريدة قبلة من أحكامه , التي سمتها إقامة لحدود الشرع وعملا
بالقرآن , فقد جاءنا الخبر من الثقات في الحجاز , بأنه ليس فيها شيء موافق لحكم
الشرع , ولا كان شيء منها بمقتضى محاكمة شرعية , فقد أمر بقطع يد رجل
ورجله؛ لأنه فر من سجنه الذي هو شر من سجن الحجاج، وفعل مثل ذلك بمن
اعترض على الخطيب بالمدينة المنورة؛ لإطرائه إياه في الخطبة، وادعوا أن هذا
عمل بقوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض
فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} (المائدة: 33) الآية وهي في البغاة الذين يؤلفون
العصابات المسلحة , يقطعون بها الطرق ويفسدون النظام , لا فيمن يفر من الظلم
أو ينتقد بدعة من البدع: كمدح الحكام وإطرائهم في الخطب الدينية , ولا سيما إذا
كانوا من الظلمة.
وكتب إلينا أن اللص الذي قطع يده في عرفة , قد اتهمه بعض الناس بأنه
سرق له بعض متاعه , فبمجرد دعواه استحضر المتهم وجيء بفأس قطعت به يده ,
وكتب إلينا أيضا أن العقاب في الحكومة الهاشمية , لا يكاد يقع إلا على الضعفاء
الذين لا ناصر لهم , وأن جواسيس الملك إذا طعنوا له في شخص يتهمه بعضهم ,
بأنه شرب الخمر فيؤتى به ويجلد بغير بينه ولا يسمع لإنكاره.
واطلعنا في مذكرة لحاج مصري , أنه يأمر المحاكم الشرعية بالذي يريده
وإنها فشت فيها شهادة الزور بالإكراه، وأنه لا ينفذ من أحكامها إلا ما يريده , ويرد
الإعلام الشرعي الذي تصدره بالحكم النهائي ويأمر بتجديد الدعوة لأجل الحكم فيها
بما يأمر به، ويقول: إنه إمام المسلمين والوارث لجده الشارع في التشريع
وهو غير مقيد فيه بشيء، بل فيها أن له مخالفة نصوص الكتاب والسنة , وكنا
سمعنا هذا من بعض خدمه في مكة عدد سنين , ولكن الله تعالى لم يعط للرسول
صلى الله عليه وسلم أن يغير أو يبدل شيئا من القرآن , وهو معصوم من فعل ذلك من
تلقاء نفسه بدليل النص والإجماع. قال تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال
الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء
نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} (يونس: 15) , وقد منع الإمام الشافعي نسخ القرآن بالسنة مطلقا , وجوزه الجمهور
بالسنة المتواترة لأن ثبوتها قعطي كثبوته، ولكنهم أجمعوا على أن ذلك لا يكون برأي
النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده , بل بوحي من الله تعالى , واستدلوا على الجواز
بمفهوم قوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ (يونس: 15) .
وفي هذه المذكرة أنه يقطع يد السارق , إذا كان من قبيلة ضعيفة , فإذا كان
من قبيلة قوية فلا يقطع ولا يسجن , وقد سرقت امرأة قرشية من بني مخزوم في
عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأهم أمرها قريشا فقالوا: من يكلم فيها رسول الله
صلى الله عليه وسلم , ومن يجترئ عليه إلا حبه أسامة بن زيد، فكلمه أسامة فقال
صلى الله عليه وسلم: (يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله , ثم قام فخطب قال:
(إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا
سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت
لقطعت يدها) متفق عليه، بل رواه الجماعة كلهم.
(تنبيه) :
كتب هذا الخطاب منذ بضعة أشهر؛ ليكون مقدمة لطلب الإصلاح في
الحجاز, وأخر نشره؛ رجاء أن يغير الملك سيرته بزيارته لأطراف سورية.
(له بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) المنار: لعل سبب عدم نشره قلة المبالغ مع كثرة الأسماء لا قصد أكله.</span></span>