إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا
كبيرا. ثم نزل فذبحه.
وقوله: المحبة ما تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم - كلام باطل من كل
وجه فإن قوله: لا يكون إلا من غير ليس بصحيح , فإن الإنسان يحب نفسه وليس
غيرا لنفسه والله يحب نفسه، وقوله ما ثم غير - باطل فإن المخلوق غير الخالق
والمؤمنون غير الله , وهم يحبونه فالدعوى باطلة فكل واحدة من مقدمتي الحجة
باطلة قوله: لا تكون إلا من غير لغير، وقوله: غير ما ثم فإن الغير موجود ,
والمحبة تكون من المحبوب لنفسه يحب نفسه؛ ولهذا كثير من الاتحادية يناقضه في
هذا ويقول كما قال ابن الفارض [4] .
وكذلك قوله: التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب , ولو أنصف الناس ما رأوا
عابدا ولا معبودا - كلا المقدمتين باطل , فإن التوحيد يكون من الله لنفسه فإنه يوحد
نفسه بنفسه كما قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ (آل عمران: 18)
والقرآن مملوء من توحيد الله لنفسه , فقد وجد نفسه بنفسه كقوله: {وإلهكم إله
واحد} (البقرة: 163) , وقوله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله
واحد} (النحل: 51) ، ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ (محمد: 19) وأمثال ذلك.
وأما الثانية فقوله: إن الناس لو أنصفوا ما رأوا عابدا ولا معبودا - مع أنه غاية في الكفر والإلحاد كلام متناقض , فإنه إذا لم يكن عابدا ولا معبودا بل الكل واحد فمن هم الذين لا ينصفون؟ إن كانوا هم الله , فيكون الله هو الذي لا ينصف وهو الذي يأكل ويشرب ويكفر كما يقول ذلك كثير منهم مثلما قال بعضهم لشيخه:
الفقيرإذا صح أكل بالله فقال له الآخر: الفقير إذا صح أكل الله , وقد صرح ابن
عربي وغيره من شيوخهم بأنه هو الذي يجوع ويعطش ويمرض ويبول وينكح
وينكح , وأنه موصوف بكل نقص وعيب؛ لأن ذلك الكمال عندهم كما قال في
الفصوص: فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستقصي به جميع الأمور
الوجودية النسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذموما عرفا
وعقلا وشرعا , وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة (وقال) ألا ترى الحق يظهر
بصفات المحدثات , وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص والذم؟ ألا ترى المخلوق
يظهر بصفات الخالق فهي كلها من أولها إلى آخرها صفات للعبد , كما أن صفات
العبد من أولها إلى آخرها صفات لله تعالى.
هذا المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه فإنه يقال له: فأنت الكامل في نفسك
الذي لا ترى عابدا ولا معبودا يعاملك بموجب مذهبك , فيضرب ويوجع ويهان
ويصفع ويظلم , فمن فعل به ذلك واشتكى أو صاح منه وبكى قيل له: ما ثم غير
ولا عابد ولا معبود , فلم يفعل بك هذا غيرك , بل الضارب هو المضروب والشاتم
هو المشتوم والعابد هو المعبود , فإن قال: تظلم من نفسه واشتكى من نفسه , قيل
له: فقل أيضا عبد نفسه، فإذا أثبت ظالما ومظلوما وهما واحد فأثبت عابدا ومعبودا
وهما واحد , ثم يقال له: هذا الذي يضحك ويضرب هو نفس الذي يبكي ويصيح ,
وهذا الذي شبع وروي هو نفس هذا الذي جاع وعطش , فإن اعترف بأنه غيره
أثبت المغايرة , وإذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا , فبين العابد والمعبود أولى
وأحرى , وإن قال: هو هو عومل معاملة جنس السوفسطائية , فإن هذا القول من
أقبح السفسطة , فيقال: فإذا كان هو هو فنحن نضربك ونقتلك والشيء قتل نفسه
وأهلك نفسه , والإنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (الأعراف: 23) لكون نفسه أمرته بالسوء والنفس أمارة بالسوء , لكن جهة أمرها
ليست جهة فعلها , بل لا بد من نوع تعدد إما في الذات وإما في الصفات , وكل أحد
يعلم بالحس والاضطرار أن هذا الرجل الذي ظلم ذلك ليس هو إياه وليس هو
بمنزلة الرجل الذي ظلم نفسه , وإذا كان هذا في المخلوقين فالخالق أعظم مباينة
للمخلوقين من هذا لهذا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.