ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا وهم عند كثير من
الناس سادات الأنام، ومشايخ الإسلام، وأهل التوحيد والتحقيق وأفضل أهل
الطريق، حتى يفضلوهم على الأنبياء والمرسلين، وأكابر مشايخ الدين، لم يكن
بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأحوال، وإيضاح هذا الضلال، ولكن يعلم بذلك أن
الضلال لا حد له، وأنه إذا كفرت العقول لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من
فرق في نوع الإنسان , فجعل منه من هو أفضل العالمين، وجعل منه من هو من
شرار الشياطين، ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء والأولياء، كتشبيه مسيلمة الكذاب،
بسيد أولي الألباب، هو الذي يوجب جهاد هؤلاء الملحدين الذين يفسدون الدنيا
والدين.
والمقصود هنا رد هذه الأقوال، وبيان الهدى من الضلال، وأما توبة من
قالها وموته على الإسلام، فهذا يرجع إلى الملك العلام، فإن الله يقبل التوبة عن
عباده ويعفو عن السيئات , ومن الممكنات أنه قد تاب جل أصحاب هذه المقالات،
والله تعالى غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب، والذنب وإن عظم والكفر وإن
غلظ وجسم فإن التوبة تمحو ذلك كله، والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن
تاب , بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا
على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور
الرحيم} (الزمر: 53) وهذه الآية عامة مطلقة؛ لأنها للتائبين , وأما قوله:
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: 48) فإنها
مقيدة خاصة؛ لأنها في حق غير التائبين لا يغفر لهم الشرك وما دون الشرك معلق
بمشيئة الله تعالى.
والحكاية المذكورة عن الذي قال أنه التقم العالم كله , وأراد أن يقول: أنا
الحق، وأختها التي قيل فيها: إن الإلهية لا يدعها إلا أجهل خلق الله وأعرف خلق
الله هو من هذا الباب , والفقير الذي قال: ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله
مثل فرعون ونمرود وأمثالهما هو الذي نطق بالصواب، وسدد الخطاب؛ ولكن
هؤلاء الملاحدة يعظمون فرعون وأمثاله , ويدعون أنهم [5] من موسى وأمثاله ,
حتى إنه حدثني بهاء الدين عبد السيد الذي كان قاضي اليهود وأسلم وحسن إسلامه ,
وكان قد اجتمع بالشيرازي أحد شيوخ هؤلاء , ودعاه إلى هذا القول وزينه له
فحدثني بذلك فبينت له ضلال هؤلاء وكفرهم , وأن قولهم من جنس قول فرعون
فقال لي: إنه لما دعاه حسن الشيرازي قال له: قولكم هذا يشبه قول فرعون، فقال
نعم ونحن على قول فرعون، وكان عبد السيد لم يسلم بعد، فقال: أنا لا أدع
موسى وأذهب إلى فرعون، قال له: ولم؟ قال: لأن موسى أغرق فرعون ,
فانقطع فاحتج عليه بالنصر القدري الذي نصر الله موسى لا بكونه كان رسولا
صادقا , قلت لعبد السيد: وأقر لك أنه على قول فرعون؟ قال: نعم، قلت: فمن
سمع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة , أنا كنت أريد أن أبين لك أن قولهم هو قول
فرعون فإذا كان قد أقر بهذا حصل المقصود.
فهذه المقالات وأمثالها من أعظم الباطل , وقد نبهنا على بعض ما به يعرف
معناها وأنه باطل والواجب إنكارها , فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من
المسلمين أولى من إنكار دين اليهود والنصارى الذي لا يضل به المسلمون , لا
سيما وأقول: هؤلاء أشر من قول اليهود والنصارى ومن عرف معناها , واعتقدها
كان من المنافقين الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين
واغلظ عليهم} (التوبة: 73) , والنفاق إذا عظم كان صاحبه شرا من كفار أهل
الكتاب، وكان في الدرك الأسفل من النار.
وليس لهذه المقالات وجه سائغ ولو قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى
صحيحا , فإن ما يحمل عليها إذا لم يعرف مقصود صاحبها [6] وهؤلاء قد عرف
مقصودهم كما عرف دين اليهود والنصارى والرافضة , ولهم في ذلك كتب مصنفة
وأشعار مؤلفة وكلام يفسر بعضه بعضا , وقد علم مقصودهم بالضرورة، فلا ينازع