تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو ذاك وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك.

وقوله: لا يصح التعبير عنه إلا بغير يقال له - أولا- التعبير عن التوحيد

يكون بالكلام والله يعبر عن التوحيد بكلام الله , فكلام الله وعلمه وقدرته وغير ذلك

من صفاته لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله، ولا يطلق عليه بأنه

غير الله؛ لأن لفظ الغير قد يراد به ما يباين غيره وصفة الله لا تباينه، ويراد به ما

لم يكن إياه، وصفة الله ليست إياه , ففي أحد الاصطلاحين يقال: إنه غير , وفي

الاصطلاح الآخر لا يقال: إنه غير , فلهذا لا يطلق أحدهما إلا مقرونا ببيان المراد

لئلا يقول المبتدع: إذا كانت صفة الله غيره فكل ما كان غير الله فهو مخلوق ,

فيتوسل بذلك إلى أن يجعل علم الله وقدرته وكلامه ليس هو صفة قائمة به بل

مخلوقة في غيره , فإن هذا فيه من تعطيل صفات الخالق وجحد كماله ما هو من

أعظم الإلحاد , وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيرا مطلقا. وإن

كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها [1] .

وأيضا فيقال لهؤلاء الملاحدة: إن لم يكن في الوجود غير بوجه من الوجوه

لزم أن يكون كلام الخلق وأكلهم وشربهم ونكاحهم وزناهم وكفرهم وشركهم وكل ما

يفعلونه من القبائح هو نفس وجود الله , ومعلوم أن من جعل هذا صفة لله كان من

أعظم الناس كفرا وضلالا , فمن قال: إنه عين وجود الله كان أكفر وأضل , فإن

الصفات والأعراض لا تكون عين الوجود القائم بنفسه وأئمة هؤلاء الملاحدة كابن

عربي يقول:

وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه

فيجعلون كلام المخلوقين من الكفر والكذب وغير ذلك كلاما لله , وأما هذا

اللحيد [2] فزاد على هؤلاء , فجعل كلامهم وعبادتهم نفس وجوده , لم يجعل ذلك

كلاما له بل يقال: أن يكون [3] هنا كلام له لئلا يثبت غيرا له.

وقد علم بالكتاب والسنة والإجماع وبالعلوم العقلية الضرورية إثبات غير الله

تعالى , وأن كل ما سواه من المخلوقات فإنه غير الله تعالى ليس هو الله ولا صفة

من صفات الله؛ ولهذا أنكر الله على من عبد غيره ولو لم يكن هناك غير لما صح

الإنكار , قال تعالى: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ (الزمر:

64) , وقال تعالى: ﴿قل أغير الله أتخذ وليا﴾ (الأنعام: 14) وقال تعالى:

﴿هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض﴾ (فاطر: 3) , وقال

تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ (الأنعام: 114) , وكذلك قول القائل: وجدت المحبة غير المقصود لأنها لا

تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم، ووجدت التوحيد غير المقصود لأن التوحيد ما

يكون إلا من عبد لرب , لو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا - هو كلام

فيه من الكفر والإلحاد والتناقض ما لا يخفى , فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين

أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له كقوله تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا

لله} (البقرة: 165) , وقوله: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: 54) , وقوله:

﴿أحب إليكم من الله ورسوله﴾ (التوبة: 24) , وقوله: {إن الله يحب

المتقين} (التوبة: 4) ، ﴿يحب المحسنين﴾ (البقرة: 195) ، {يحب التوابين

ويحب المتطهرين} (البقرة: 222) , وقال النبي صلى الله عليه وسلم في

الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله

أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن

يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) وقد أجمع سلف

الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له , وهذا أصل

دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام , وأول من أظهر ذلك في الإسلام الجعد بن

درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط وقال: أيها الناس

ضحوا تقبل الله ضحاياكم , فإني مضح بالجعد بن درهم، أنه زعم أن الله لم يتخذ

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٢