على القلب كأنها الروح والريحان, وضمتنا ذات ليلة جلسة آنسة ملك فيها القلوب بحديثه العذب الساحر ولشدة سيطرته على النفوس لم يتمالك أبو مازن نفسه فقام وخلع عليه عباءته البيضاء الثمينة الجميلة وشمله بها ثم طوقه بذراعيه حبا وإعجابا وقال أبو مازن: لا أملك أثمن منها أهديكه.
ومع هذا الحياء الجم والأدب الرفيع كانت اسماله تنشق عن أسد عرين ولشدة هيبته في الصدور فقد أعد له أعداؤه كمينا وعندما أقبل صفي الله عليه جمدت أصابع عدوه عن الزناد وتقدم صفي الله وأخذ السلاح من يده.
سلاحي من عدوي:
كان يردد أنا لا أريد مساعدة من أحد لأن سلاحي وذخيرتي مما أغتنمه من يد عدوي وقبل أن يستشهد أرسلت إليه قريتان من الشيوعيين واستسلمتا له.
هذا وقد غنم خلال ثمانية أشهر في داخل هرات -في العام الماضي- مائتين وستين قطعة سلاح بين خفيفة وثقيلة وهذه الكمية ليست بالقليلة في تلك المناطق.
إعجابنا به:
كان يختلس القلوب التي تخالطه ويسحر الألباب التي تصغي إليه والعيون التي ترمقه, أقام الأخ سيد نور الله عماد على شرفه حفل عشاء حضره مجموعة من أبناء افغانستان والعرب فكان محل إعجاب الجميع وحديث السامر في بيشاور ولشدة إعجابنا به فقد توج ت كتابي (عبر وبصائر) بصورة له.
شفافيته:
كان معه أحد المجاهدين اسمه محمد التركي (من تركيا) وكان لاينظر إليه إلا ويقول: أنت (شهيد) وكان حديث القلوب صادقا مع القدر, لقد استشهد (محمد التركي) ولحقه صفي الله بعد خمسة أشهر وهناك تلتقي الأحبة - إن شاء الله- وقد اتصل به سيد نور الله قبل استشهاده بأيام قائلا له: لقد اتصلت بك مرارا فلم أجدك فرد صفي الله: لقد كنت مشغولا باستئجار الحمير لنقل مهمات الجبهة فقال: سيد نور الله ان روسيا تنقل ذخائرها ومهماتها بالطائرات وأنت تنقلها على الحمير, فقال صفي الله: سنهزم روسيا بإذن الله وطائراتها بحميرنا, ثم اضاف صفي الله: أنا أحس أن المنية قد اقتربت وسأتصل بكم إن شاء الله, وكان الشعور الذي يسيطر عليه أن أيامه تمر مثل لحظ البصر وأن الدنيا سقطت نهائيا من عينه وأنه لم يبق في العمر بقية وأن رياح الآخرة تهب نسائمها.
أجرة بيته:
ومع هذا الصدى الواسع الذي تحدثه عملياته في المنطقة الغربية وترددها الألسنة في كل مكان يحسب الإنسان أن أسرته تعيش عيش الطبقات المترفة ويذهل الإنسان فاغرا فاه عندما يعلم أنه استأجر لأسرته مع أربع أسر أخرى تعيش معهم منزلا بخمسمائة روبية (مائة ريال سعودي) شهريا تكسو جدرانه الأعفان والطحالب التي تنمو مع الرطوبة والتي تكاد تتحول إلى مستنقع, ففاتحني طاهر بهذا الأمر وأشارعلي بأنه لابد من استئجار بيت جديد لأسرته حتى لا تفترسهم إلامراض وينشغل بعلاجهم عن معاركه0
وقد قررنا له مصروفا شهريا ولجميع الأسر التي تعيش في كنفه قدره ألف روبية (مائتي ريال سعودي).
ثم قال: أنا مريض وأخشى أن أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء وسأسير إلى الجبهة لأنه من العار أن أموت على فراشي, سار إلى الجبهة ولم يعد إلا شهيد0
وكم يدهش الإنسان أن صفي الله منذ ثمان سنوات وهو يصطلي بنار الحرب وقلما يدخل معركة إلا ويكون في الصف الأول منها وفي خط المواجهة الساخن ومع هذا كله لم يجرح جرحا واحدا. لقد حفظ الله جسده طيلة سني المعركة ليواصلها وهو يتمتع بصحته ويحظى بعافيته حتى قبضه الله إليه.
وفي رمضان: حاول أعداؤه اغتياله فوضعوا لغما في سيارته وتفجر اللغم ونجى الله صفي الله لأنه كان في صلاة التراويح!
ثم أصلح السيارة نفسها -السيارة الحمراء- ليلقى بها مصرعه في الأجل المحدود وفي القدر الموعود.
وكانت الخاتمه:
إن كمينا أعد له في (7/ 7/7891م) لأن أعداؤه لايجرؤون أن يواجهوه في ساحة النزال فلا بد من الدس والمؤامرة والأختفاء فتربصوا به وبينما كان في سيارته مارا على طريق عام فاجأه أعداء الله بوابل رشاشاتهم فانقلبت سيار ته وسقط مضرجا بدمائه.
ومضى البطل الذي زلزل الأرض من تحت أقدام الروس.