تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بستان الدعوة الإسلامية كانت هذه النبتة التي نعمت بالجو الطيب, فنبتت بإذن ربها وكانت الثمار الطيبة التي فتح الله بها على المفكرين الإسلاميين في هذا العصر, قد وصلت إلى أيدي الناشئة فأنقذتهم وكان لسيد قطب رحمه الله دوره الذي أعده الله فسالت المواهب الربانية على ريشة قلمه السي ال وأعطتها بلاغة البيان وقوة السبك التي حباها الله لسي د روعة وبهاء وأمدتها بالحياة وكتب الله لسي د أن يقف تلك الوقفة الصارمة الشامخة التي ودع بها الدنيا فنفخت في كلماته الروح والحياة والنفاذ إلى أعماق قلوب أبناء الجيل, وكذاك الأمر بالنسبة للكتاب الآخرين من أبناء الحركة الإسلامية الرائدة.

وتربى ناصر على موائد هؤلاء المفكرين وفي زاوية بيته مكتبة عامرة بمثل هذه الكتب التي استحوذت على اهتمامه وكان لكتب السيرة مكانة خاصة في أعماقه, ولذا فقد كانت السيرة عنوان المحاضرات التي يلقيها في ندوات المساجد ويعلق على أحداث السيرة ويفسرها التفسير الحركي الذي يجعل أصحابه كتقي الدين أن يمتلأ إعجابا به وكثيرا ما كان يبدي دهشته وتأثره بمحاضرات ناصر وكان ناصر يرد قائلا استغفر الله.

إلى أرض الجهاد: وغادر ناصر الوادي سنة (5891م) متوجها إلى أرض الجهاد, وترك ثغرة كبيرة في الوادي وما أجمل أن يملأ هذه الثغرة أخوه (علي) ولدى وصوله أرض الجهاد عمل ممرضا في اختصاصه بجانب الدكتور صالح الليبي ثم عاد ناصر إلى الجزائر وصار يتردد على أهل الدكتور صالح بالزيارة وفاء له وحبا.

وعاد ناصر مرة أخرى إلى الجهاد وتوجه إلى (وادي سوف الأفغاني) وبدأ يزاول عمله كطبيب وذلك لقلة الأطباء ولمع ذكره مع أخيه أبي بشير هناك, وبعد ستة أشهر كلفه الأخ أبو الحسن المدني بعمل مستشفى ففرح بذلك فرحا شديدا , وزاد في فرحه وصول تقي الدين مع جمال الدين- وجمال أحد الشباب الذين أنقذهم الله على يد ناصر. وما أجمل أن يردد (لا ندري بأيهما نفرح بعمل مستشفى المجاهدين أم بوصول تقي الدين وجمال الدين) وهي أيام ثلاثة فما ارتوت الأرواح من ظمئها ولا خفف اللقاء من شوقها:

عدتم إلينا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا

(المآقي: جمع مؤق حجرة العين التي يتجمع فيها الدمع).

إنها أيام ثلاثة فقط يلتقي الأستاذ مع تلميذه ثم اختطفت رحى المنايا الدائرة روح جمال الدين وكان وصول الإخوة في الأسبوع الذي استشهد فيه (وسيل) -قائد الإتحاد في شكردرا- وقد كان غضنفرا هصورا في ميادين الوغى, وقد ترك في نفوس الجميع حسرة عميقة, ولذا فكان ذكره يتردد على لسان ناصر, ولا يعلم ناصر أنه بعد يوم أو يومين سيلتقي بوسيل إذا كتب الله لهما القبول وطارت الأرواح إلى حواصل الطيور الخضر في الجنة.

وجاء اليوم الموعود: حيث توجهت القوة الحكومية إلى شكردرا وفي اليوم الرابع صلى الإخوة صلاة الغداة (الفجر) وتلوا على عادتهم الورد القرآني بعد أذكار الصباح (المأثورات) وفي الساعة الثامنة والنصف جاء الخبر بوصول القوة, فهب المجاهدون إلى قمم الرواسي الشاهقة, أما ناصر فقد توجه إلى مكان الوضوء وتقي الدين يستحثه الخطى ولكن ناصرا يصر على الوضوء قبل تسلق ذرى الجبال.

وبين صيحات التكبير والتهليل التي تردد أصداءها السفوح والقمم والهضاب وأسد الله الغضاب تصلي أعداء الله بشواظ النار قبل نار الآخرة وبدأت القوة ترتد على أعقابها خاسرة وتنقلب خائبة وهي تحمل معها قتلى المعركة كلاب النار, ونفذت قذائف الإخوة المجاهدين فانطلق ناصر مع تقي الدين لاحضار القذائف وفي الطريق إلى مخزن الذخيرة وتقي الدين يهتف بناصر للإسراع وقعت قذيفة بينهما ولم يكن بينهما سوى متر ونصف فأشاح تقي الدين بوجهه وأخذ بأنفه من غبار القذيفة.

وانجلى الغبار وأقبل تقي الدين ليطمئن على أخيه ناصر وإذا بالشظايا قد أصابت منه مقتلا وحمله تقي الدين إلى المغارة وبدأ يقرأ عليه سورة (يس) وأوداج ناصر تشخب الدم الزكي.

وقبل أن ينهي تقي الدين السورة للمرة الثالثة صعدت الروح الطيبة إلى بارئها بعد أن بلغت بمسيرتها وأشهدت وأقامت الحجة على من تخلف, فلطالما كان وهو يتفقد الساحة فلا يجد فيها الدعاة والأطباء فيقول: بماذا يجيب العلماء والدعاة والأطباء ربهم يوم القيامة عن تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله, لقد أرسل إلي ناصر رسالة صوتية يطلب بها أن نرسل إليهم طبيبا أو دواء وقال: لقد جاءت فتاة صليبية لتعالج الجرحى فأين المسلمون?!

بل لقد سمعت أبا الجنيد بعد رجوعه من فرياب وهو يرى حاجة الساحة للأطباء, وقد نقل لنا بالصورة المسموعة: أرجل الجرحى وهي تقطع بمنشار الخشب.

أقول لقد سمعت أبا الجنيد يقول: إن هذا القطع بالمنشار مع بقاء المجاهد الجريح حيا , لقد تعلم هذا بعشرة إلى عشرين ممن قتلهم وهو يحاول نشر أرجلهم أو أيديهم.

عشاق الحور · الصفحة ١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٥٠