ولعل قدح الزناد ضد الشيوعيين في اليمن هو الذي ألهب الجيل الذي عايش ذلك الجهاد الذي حر ك النخوة والحمي ة الإسلامية في أعماق رجال اليمن, واليمن هي البلد العربي الذي قذف بأفلاذ أكباد شابت نواصيهم في الإسلام وطعنوا في سنهم دون أرواحهم التي لا تشيب إذ الجهاد حو لها إلى أرواح شباب يشتعلون حماسا فأبو حميد الذي كان يرافقني الرباط على خط النار الأول في جلال آباد في العشر الأواخر قد بلغ الستين من العمر ومن قبل رأيت غيلان أبا فارع وصاحبه وهو في العقد السادس من عمره كذلك, وهذه ظاهرة تفرد بها أهل اليمن إذ لم يأتنا من السعودية إلا الشباب الذين في مقتبل العمر وكأن اليماني وهو يمتشق سلاحه وقد أصبح رأسه ثغامة (شيبة) ينشد:
سني بروحي لا بعد سنين ... فلأسخرن غدا من التسعين
عمري إلى السبعين يجري مسرعا ... والروح ثابتة على العشرين
فعامر هذا في الثلاثين من عمره, ود ع زوجته وبنتيه وولده واستودع الله أهله وأمانتهم وترك جنينا في رحم زوجته سيرى الحياة دون أن يرى له في الدنيا أبا.
ترامى إلى مسامع عامر أخبار الجهاد الأفغاني, وكانت نفسه تهفو لكي يعيش مع أسد الشرى في أجمها, ويحيا مع ليوث الغاب في عرنها, فودع مطرقته وسندانه وأقبل سنة (8891م) , ومكث في الجهاد والرباط ستة أشهر تنقل فيها ما بين صدى -حيث تلقى تدريبه- وخوست -حيث شهد رحى المعارك اليومية التي ما كانت تنقطع يوما عن الضرام- ورجع إلى أهله بجسده وترك روحه هائمة بين ذرى أفغانستان, وكأن روحه تردد قائلة:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
وما كان لنفس يمن الله عليها بتذوق حلاوة الجهاد أن تنساه وتشنأه (تبغضه) وهذه نعمة يتفضل الله بها على من يشاء من عباده.
فكان هم ه أن يمهد الطريق لعودته إلى أرض القنا الردينية (الرماح) والبيض المشرفية (السيوف) ففتح ورشة الحدادة مرة أخرى ليجمع ثمن التذكرة وليترك أهله دون أن يريقوا ماء وجوههم لأحد أو يمدوا أيديهم لحاجة, ولقد كانت مجلة الجهاد التي تنقل أخبار الشهداء تقض عليه مضجعه, وتسهد عليه ليله وأجفانه ولو رآه أبو الطيب لأنشد له:
حت ام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم
ولا يحس بأجفان يحس بها ... فقد الرقاد غريب بات لم ينم
(أي إلى متى نسهر ونسير مع النجوم في الليل مع أن النجم لا يسير على خف فيتعب أو على قدم فينهك وكذلك فالنجم ليس له جفن حتى يتألم من السهر بسبب الغربة والوحشة).
ووفر مبلغا وألقاه في حجر أمرأته ثم أقبل كالهيمان الذي يزور خله والولهان الذي ينادم حب ه الغائب ووصل في رمضان, وأين يمكن أن يتوجه سوى إلى جلال آباد التي أصبحت مصرع عشاق الحور, ومحطا لآمال الراحلين إلى بلاد الأفراح, وفي طريقه إلى أفغانستان لابد من العمرة.
العمرة: ومر بالبيت الحرام وأدى العمرة ووقف في ظلال البيت يعاهد الله على الموت, وكأنه كان على موعد مع الشهادة فأقبل في رمضان إلى جلال آباد وفي (11) ذي القعدة سنة (9041هـ) الموافق (31/ 6/9891م) نال الشهادة التي أقبل من أجلها ثم مضى إلى ربه, ونرجو الله أن يتقبلنا وإياه ويجمعنا في الفرودس الأعلى.
أبو العباس:
سمات الشهداء بارزة في تصرفاته, ومناقب المقبلين على الله -عزوجل- بادية على مخايله, طويل الصمت, يكره الثرثرة ولا يطيق المزاح ولا كثرة الكلام, أفعاله خير معلم لإخوانه, فكانوا يستقون من آدابه قبل أن يتلقوا منه تعليم السلاح إذ كان مدربا , وكان لا يفتر عن الذكر, لسانه رطب بذكر الله.
أما عن زهده فحد ث ولا حرج فقد كنت تشتهي أن ترى عليه غير ثياب المعسكر البدلة الزهيدة الصفراء, وتراه وقد اشتد الزمهرير لا يغير هذه الملابس ومع لذع سبرات الرياح الصرصر في الشتاء يتقدم إليه أحد الإخوة ويقدم له جاكيتا ليقيه البرد فيعتذر إليه شاكرا بأدب.
كأن نفسك لا ترضاك صاحبها ... إلا وأنت على المفضال مفضال
ولا تعدك صوانا لمهجتها ... إلا وأنت لها في الروع بذال
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال
أما عن طعامه فكأنه يطبق الحديث الشريف "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فثلث للطعام وثلث للشراب .. يقول عبد الجبار المصري: لقد كنا نعجب كيف يعيش أبو العباس; حتى كنا نتخيل أنه لا يأكل أبدا , ولقد كان يعطي الفاكهة إلى إخوانه.