سنة كاملة لم ينزل من المأسدة إلى ترمنجل: كل من زار المأسدة يدرك عظم المعاناة التي يتجشمها المرء الذي يرابط هناك أربعة أشهر والثلوج تكسو وجه الأرض ولا يستطيع المجاهد أن يواجه الشمس في رابعة النهار لشدة البرد ولذع الزمهرير لقد عشت فيها فترة وكنا نضع المياه في أوان بلاستيكية فنقوم في صبيحة اليوم التالي لنجدها متجمدة لا نستطيع أن نصب الماء منها لوضوء الفجر.
ولذا فإن الأفغان يقسمون الجبهة إلى قسمين, قسم يقضي شهره في الرباط بينما يستجم القسم الآخر وقت إجازته بين أهله ثم يتم التبديل.
في هذا الجو الذي تتجمد فيه الأطراف بردا وتتوقف الحركة في المنطقة يقسم أبو خليل: (لن أنزل ترمنجل حتى تفتح تشاوني (القلعة)).
ويبر الله بقسم أبي خليل الذي أصبح مضرب المثل في صبره وعصاميته, ويوليه أبو عبد الله إمارة جبل قباء في المأسدة, ولكأنك تنظر إلى عطاء بن أبي رباح وأنت تنظر إليه فعطاء سيد التابعين في مكة وكان عبدا أسود أفطس, ولكن الرجال ليست بمناظرها:
همم بلغتكم رتبات ... كثرت عن بلوغها الأوهام
ونفوس إذا انبرت تضال ... نفذت قبل أن ينفذ الأقدام
وقلوب موطنات على الروع ... كأن ... اقتحامها استسلام
في باري: وبعد أن فتحت قلعة جاوني في عيد الفطر سنة (8041هـ) وهزم أعداء الله, يمم أبو خليل شطر جبهة ساخنة, وهل أقرب وأسخن من باري? في خوست, وأصبح أميرا هناك, وألهب ظهور الأعداء بشظايا الرمي وكان الهاون هو آلة الأنغام العذبة التي يشدو على صليلها أشعاره. ويروح بدويها عن نفسه ويشبع نهمه ويحقق أمانيه:
طال غشيانك الكرائة حتى ... قال فيك الذي أقول الحسام
وطال المقام في باري عاما آخر يستقبل أبو خليل فيه فوجا ويودع ركبا وإذا كانت ترمنجل قد تاقت لرؤياك عاما كاملا فماذا عن ميرانشاه وأنت في باري.
من مناقبه: كان يقوم الليل, ومن سماته البارزة الحلم والأناة وسعة الصدر وكان يقول عن أبي العباس: إن هذا سيستشهد لأن عليه ملامح الشهيد.
في جلال أباد: وجاءت الأحداث الساخنة في جلال آباد, واستلم أبو عبد الله أقرب المناطق إلى العدو, وبدأ يقتحم الأهوال بما جمع الله له من أبطال, وإذا بأبي خليل يهفو إليها ويقبل عليها.
وفي (22/ 5/9891م) كان اليوم الموعود الذي طالما كان يجأر إلى الله بلقائه فيه. وفي ساحة لظاها يشعل الأرض نارا وشواظ طائراتها ولظى دباباتها تقشعر لهوله الأبدان, وفي هذا الجو المدلهم المكفهر ألقى أبوخليل بنفسه بين فكي الموت مع أخيه الحبيب الزاهد العابد (أبي العباس) ويمضيان إلى الله في لحظة واحدة:
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت اخمصك الحشر
ومضى الزاهد, الراهب في عزلته, الفارس فوق ذروته, مضى إلى الله بعد أن علمنا الكثير من دروس الصبر والمصابرة والمرابطة فنرجو الله أن يكون من المفلحين, واستراح في جدثه في طورخم بعد معاناة السنين.
الشهيدأبو مبارك اليماني (عامر أحمد صالح الجبري):
لقد تحملت الجزيرة بشقيها الشمالي والجنوبي العبء الأكبر في تقديم التضحيات العربية الباهظة في الفتوحات التي تمت في جلال آباد وقندهار, ولقد أصبح أهل اليمن مع أهل الحجاز ونجد كفرسي رهان في ميدان الحلبة, وأهل اليمن لهم شبه كبير بأهل أفغانستان حتى صار الإخوة يطلقون على اليمانيين (بشتون العرب) وهنالك تقارب كبير وتشابه كثير بين فطرة الشعبين وطبيعة البلدين وجبالهما وشظف العيش فيهما, وزهد شعبيهما, وتحمل المكاره والمشاق, والصبر على المصائب.
ونحن الآن مع حد اد يذكرني بيوسف طلعت أحد قادة الإخوان المسلمين في فلسطين وقناة السويس إذ أن يوسف الذي أقض مضاجع اليهود في السبع, والإنجليز في الإسماعيلية نجار بسيط الثقافة ولكن الجهاد بفضل الله حو له عملاقا يهز عروش الظالمين.
نبذة عن حياة الشهيد: من مواليد (8591م) في يريم التي اشتعلت منها أول شعلة ضد الشيوعيين في سنة (0891م) ولقد قدمت يريم الكثير من الأسود الذين قضوا نحبهم على طريق هذا الدين, ولا زال البعض يخدي (يسرع) في سيره على هذه الجادة.