قبل ثماني سنوات عرفته في بيته في مأرب مع مجموعة إخوانه .. ليوث تتلمظ التفت تحت سقف واحد, تربية إسلامية رفيعة, أدب جم, رجولة وحياء, كرم وإباء صمت العقلاء ونطق الحكماء, يتكلمون بقدر كلاما كأنه عد الجوهر واللآلئ, وعلى سجيتهم قاموا وذبحوا شاة أو اثنتين إكراما لي, ثم خرجنا قبيل الغروب خارج مأرب وأخذوا يشيرون إلى المنطقة التي صدوا بها هجوم الشيوعيين القادمين من الجنوب, وهم كأبناء قبائل تقتضي الرجولة أن يكون السلاح جزءا من حياتهم وكل واحد منهم كأن لسان حاله يتغنى:
أأطرح المجد ع ن كتفي واطلبه ... واترك الغيث في غمدي وانتجع
والمشرفية ... ما زالت مشرفة ... دواء كل كريم أو هي الوجع
وودعت هذا البيت الذي علق به قلبي ثم عدت.
ومرت الأيام وذات يوم كنت في بيت الأخ أسامة بن لادن في جدة وإذا بعوض يدخل وسلمت عليه وكان ذلك في فترة الحج, ثم عدت
والنفوس التي تعتاد خوض المنايا يصعب عليها أن تقبع في الزوايا وترامى إلى مسامعه أخبار الجهاد في أفغانستان وأزمع السير إلى جبال العزة فيها وأقبل إليها زائرا مع الشيخ عبد المجيد الزنداني سنة (4041هـ) ثم عاد وتعلق القلب بما يشغله عن الأهل والولد.
وتلفت الميدان هل من طارق هل من صلاح
ويقول هل من ضيغم عن طهر أمته يلاحي
وأقبل أبو طارق تاركا وراءه أولاده وأحفاده واستقر به المقام في مأسدة الأنصار وكان قد مر علي في صدا, وألفت نفسه جو البطولة والفداء, وارتاح قلبه للحياة بين الضراغم واطمأنت نفسه للحياة تحت ضجيج المعارك وصليل السلاح وقعقعة المدافع ودوي الطائرات وأزيز الرصاص.
وأخذ يتردد بين خوست وبين جاجي وبعد فتح تشاوني انتقل إلى خوست حيث تجمعت سرية أو أكثر من الإخوة العرب.
إلى جلال أباد: وبدأنا نوزع اخواننا العرب على المناطق الساخنة ذات المعارك الضارية واخترنا لكابل أميرا ولبروان وكابيسا وبقيت جلال آباد فقال أبو عبد الله: أنا أقترح الأخ أبا طارق اليماني أميرا فارتاحت النفوس لاختياره.
وتوجه أبو طارق إلى جلال آباد وحل في قرية (برو) وتجمع حوله ثلة من أرقة القلوب وذوي الحكمة من أرض أبي موسى الأشعري, وزرتهم مع الدكتور أبي عصام هناك وفرحنا بهم وكم كان سرورهم بنا عظيما في السابع والعشرين من رجب (9041هـ) الموافق, (5) مارس سنة (9891م) وبتنا ليلة عندهم ثم عدنا في اليوم التالي, ولقد كان غبطة أبي عصام بهؤلاء الليوث جد عظيمة.
فتح (ثمرخيل): وفي نفس اليوم الذي غادرنا فيه بدأت المعارك على "ثمرخيل" وكان لهؤلاء الشباب دور طيب في فتحها وترى أباطارق يزمجر بين هؤلاء.
أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا
وافتتح المجاهدون منطقة واسعة وغنموا غنائم كثيرة.
وانتقل أبو طارق: ونقل أبو طارق سريته إلى خط التماس مع العدو, ووصلت قرب جلال آباد في العاشر من رمضان وعلمت أن أبا طارق في المقدمة.
وفي اليوم العشرين من رمضان جاء أبوطارق من خط النار الأول لأخذ بعض الحاجيات والأسلحة ورأيته فقال لي: إن كتابتك عن أبي رقية تثير علينا الناس. فأبو رقية ليس من فخذنا إنما هو من فخذ آخر ومدحك لوالدي يثير حفيظة اليساريين والقوميين علينا وحبذا لو لم تكتب عنا فقلت له: اجتهدنا فإن أخطأنا فمنا ومن الشيطان وإن أصبنا فمن الله.
ثم جلس إلى أبي عبد الله وقضى حاجته وأخذ لوازمه ثم أراد أن يسير فافتقدني وكنت أجلس في المغارة فجاء إلي وودعني وكانت هي اللحظات الأخيرة التي ودعته بها في هذه الحياة يوما الحادي والعشرين والثاني والعشرين من رمضان (الأربعاء والخميس)