تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام مستحيلة الوقوع، ومحاولتها كان أكبر أسباب الفتن التي حدثت في الإسلام

والمسيحية، ويزعم أن البشر قد ارتقوا عن طلب الوحدة الدينية التي كانت عامة

فيهم إلى الوحدة الوطنية وتدحرج في البيان إلى ذكر فرنسا التي ارتقت فيها هذه

الوحدة الجديدة التي حصر فيها سعادة البشر حتى حكمت بإبطال مدارس الرهبنات

وحتى حرمت على رئيسها ذكر اسم الله تعالى أو ذكر العناية الإلهية في خطبه،

وههنا شعر بأن هذا التدحرج قد انهار به في هوة الباطل فعاد يعترض على هذه

(الطريقة الجديدة) ويذكر من مفاسدها، وهكذا شأن من يهرف بما لا يعرف، وقد

استدل على استحالة الوحدة الدينية بما كان في أوربا من المفاسد والفتن بسببها بعدم

نجاح البابا فيها وبسعادة أوربا بعد إقامة السد بينه وبين الأحكام، ثم جرى على

عادته في تشبيه الإسلام بالنصرانية فزعم أن الذي أسقط دولة العباسيين هو عجزهم

عن حفظ المملكة بالوحدة الدينية وعدم اهتدائهم إلى الوحدة الوطنية! ! ! سبحان الله،

ما أعلم هذا الكاتب بالتاريخ وما أقدره على استخراج طبائع الملل منه! ! !

خبرونا أيها المؤرخون والمطلعون على كتب التاريخ، أي مؤرخ قال: إن

سبب سقوط بني العباس هو حكمهم بالشريعة الإسلامية، أو قال: إن أصحاب

الملل المختلفة في بلادهم كانوا ساخطين على الحكم بالشريعة وطالبين أن تستبدل

بها قوانين غيرها يضعها الحكام أو المحكومون وأنهم لذلك ثاروا على الدولة حتى

أسقطوها بالحروب الأهلية التي مثارها العصبات الدينية؟ لم يقل بذلك عالم ولا

جاهل وإنما هو زعم افتحره وافتجره واخترعه وابتدعه ناصح المسلمين الأمين أو

مشككهم في الدين.

لسقوط دولة العباسيين أسباب أهمها أمران: ذكرهما مؤرخ الدولة العثمانية

الأكبر جودت باشا ناظر العدلية (رحمه الله تعالى) قال بعدما ذكر فضل المأمون

في ترويج العلوم وتوسيع نطاق المدنية ما تعريبه (إلا أنه أخطأ خطأ بينا في أمر يتعلق بتدبير المملكة وهو أنه أعطى ولاية خراسان لرجل يسمى طاهرا مكافأة له على

قتل أخيه الأمين فاتخذ نيسابور عاصمة لها، وجعلها موروثة له ولأعقابه من بعده

فكان ذلك باعثا على إزالة رهبة الخلافة من صدور العمال، وسببا في الخروج

عن الطاعة والنزوع إلى الاستقلال، ثم جاء بعده الخليفة المعتصم فجمع بعض الأحداث من الترك وجعلهم عسكرا خاصا به، ولما اشتد ساعدهم خرجوا عن طاعته

وأحدثوا ثورات هائلة كما وقع قديما في عسكر قياصرة رومية.

وظاهر أن ما عمله المأمون مخالف للشريعة الإسلامية ومناف للوحدة الدينية،

وأن ما عمله المعتصم كان لإخلاله بأصول الأحكام الإسلامية من الشورى وكفالة

الأمة للإمام، والتحري في اتخاذ البطانة فقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا

تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم} (آل عمران: 118) .

الآية , وللمفسرين وجهان في قوله: ﴿من دونكم﴾ (آل عمران: 118) قيل:

هم المنافقون، وقيل: الكافرون، وكان أولئك الأحداث أحد الفريقين فإنهم اتخذوا

بطانة ولما يدخل الإيمان في قلوبهم كما علم من مقالات (الإسلام والنصرانية) وقد

تحقق فيهم قوله تعالى: ﴿لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم﴾ (آل عمران: 118)

ولكن ناصحنا الأمين حرف قول الإمام في هذا المقال إلى فتنة سياسية، فزعم أن

مراده الحكم بأن الترك والفرس لا يعتد بإسلامهم وأن الدين خاص بالعرب أي أنه لا

يعتد بإسلام مثل البخاري ومسلم وأبي حنيفة والغزالي، إلخ! ! ! نعوذ بالله،

نعوذ بالله.

يا حسرة على أعداء الشريعة الإسلامية التمسوا لها عيبا فيها فأعياهم

وأعوزهم، فالتمسوه في المقيمين لها (كأبي بكر وعمر) فأعياهم وأعجزهم؛

فنقبوا عنه فيمن انحرفوا عن صراطها فنكبوا فأصابوه وألصقوه بها وقالوا: إنها

شريعة ضارة يجب تركها واختراع شريعة بدلها! ! !

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٣١