تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن لا يصح أن تشبه بالسلطة الدينية عند غير المسلمين ولا أن يجعل صاحبها

جامعا بين سلطتين إحداهما على الأرواح والعقول والثانية على الأجسام والأعمال.

هذا هو ديننا وهذه هي سلطته فبماذا يطالبنا ذلك الكاتب النصراني،

وبماذا ينصح لنا؟ هو يطالبنا بأن نجعل رئيسنا المدني شارعا ومنفذا لما يشرعه لنا

من الأحكام، وينصح لنا بأن نترك شريعتنا القائمة على أصول ديننا ويزعم أن بناء

الشريعة على قواعد الدين وجعل الحكام حماة للدين ومنفذين له هو الذي أزال الدولة

العباسية، وفرق شمل الأمة الإسلامية، ومن رأيه أن المسلمين لا ينجحون ولا تقوم

لهم قائمة ما دام سلطانهم مكلفا بالعمل بشريعتهم الدينية وتنفيذها! ! ! .

لو جمعت كل ما ورد من الكلم في جميع اللغات ليدل على معنى التعجب

وأضفت إليه كل أمارات التعجب ودلائله في الحركات والإشارات العضوية والقلمية

وقدرت على تصوير جميع انفعالات المتعجبين وتأثراتهم النفسية وألصقت ذلك كله

بهذه النصيحة النصرانية للأمة الإسلامية لما وفيت حق البيان في كونها عجيبة

غريبة مدهشة للمتعجبين! ! ! .

* * *

(شبهات المشكك)

(1) يقول هذا الناصح الأمين، أو المشكك في الدين: إن غرض الدين في

الأرض مناقض لغرض الحكومة في الأرض، فكيف يجمع الإسلام بين النقيضين؟

ونحن نقول له: إن الإسلام جاء للإصلاح في الأرض وكل ما يناقض الإصلاح

فهو إفساد تجب إزالته، فالواجب أن يكون غرض الحكومة الإسلامية موافقا لغرض

الدين الإسلامي، ومما لا خلاف فيه بين فقهاء الإسلام أن أحكامه الشرعية كلها

مبنية على قاعدة (درء المفاسد وجلب المصالح) فأي حاكم من حكامنا يقدر أن

يأتينا بشرع أصلح من هذا الشرع إذا نحن تركناه عملا بنصيحتك وجعلنا الحاكم هو

الشارع؟ ؟ ؟ .

(2) يقول الناصح الأمين، أو المشكك في الدين: إن من التناقض بين

وظيفة الدين ووظيفة الحكومة أن الدين وضع قواعد وتقاليد للعقل وطرقا لسير الفكر

فقيد بذلك الحرية العلمية، والحكومة لا تكلف الإنسان بأن يسير في فكره على

طريق مخصوص، وإنما هي حامية لحرية النفس وما يتبعها من المال والدم

والشرف. ونحن نقول: إذا كان دينك كذلك؛ فدين الإسلام مناقض له غير مناقض

لوظيفة الحكومة التي ذكرتها، وذلك أنه تقرر فيه حرية العقل فلا يخرج المسلم عن

حكمه في عقائده (كما بينا ذلك في الجزء الماضي) . وتقرر أن أحكامه ترجع إلى

خمس قواعد يسمونها الكليات الخمس، وقد جمعها صاحب عقيدة الجوهرة بقوله:

وحفظ دين ثم نفس مال نسب ... ومثلها عقل وعرض قد وجب

(3) يقول الناصح الأمين، أو المشكك في الدين: يجب أن تكون الحكومة

مساوية بين من تحكمهم، وإن اختلفت أديانهم، وأن تكون حامية لهم على السواء

أيضا والدين مناقض لها في ذلك، ونحن نقول: إذا كان دينك كذلك فديننا مناقض

له لا لما يجب أن تكون عليه الحكومة، وذلك أن المساواة من أصوله، وقد أشرنا

في الفصل السابق من هذا المقال إلى مساواة عمر بين الإمام علي ورجل من آحاد

اليهود ومطالبة علي له بالمساواة في اللقب أيضا وهذه مساواة لم تصل إليها حكومة،

ولن تصل إليها حكومة إلا أن تكون مقيمة للإسلام على حقه.

وأما الحماية فمن الأصول المأثورة في ديننا هذه الكلمة الجليلة (وأن نحميهم

مما نحمي منه أنفسنا) وهذه الكلمة الفضلى (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) .

(4) يقول الناصح الأمين، أو المشكك في الدين: إنه ليس من شأن

السلطة الدينية الدخول في الأمور الدنيوية؛ لأن الأديان شرعت لتدبير الآخرة لا

لتدبير الدنيا. ونحن نقول: إذا كان دينك كذلك فديننا ليس كذلك فإنه شرع لبيان

مصالح الدارين، والإرشاد إلى طرق السعادتين، فكيف تحكم على الأديان كافة بما

تعتقده في دينك؟ وهل كنت أنت الواضع للأديان كلها فتقول: إنني وضعت دين

الإسلام هكذا أيضا وأهله قد زادوا فيه فأنا الآن أطالبهم بالرجوع إلى الأصل؟ إن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٢٩