تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو أنها تصدت للطعن في الإسلام، وفي أئمته الأعلام، من طريقة خدمة العلم

دون الدين، ودعوى إرادة النصيحة للمسلمين، وهي تجد مع هذا من يشترك فيها

منهم بل يزعم صاحبها أنه كان بين أنياب الفقر، ومخالب الضنك والعسر، إلى أن

تحرش بالمسائل الإسلامية، وناطح بقرنه أعلام الملة الحنيفية، فأقبل عليه

المسلمون، وهم من كل حدب ينسلون، ومازالت تتوالى عليه منهم (الاشتراكات) ،

حتى زال عنه بمالهم (الضنك والعسرات) ، والعبرة في هذا على تقدير صدقه

ظاهرة، وأما العبرة على تقدير تمويهه وتعظيمه لشأن نفسه وبراعته في الإعلان

عن جامعته فهي أن المسلمين في اعتقاد هذا الرجل قد بلغوا من الجهل والحماقة

مبلغا يستزلهم فيه بمثل هذا الكلام إلى مكافئته على الطعن بدين الإسلام.

وأكبر من هذا وأعجب مما سبقه كله أن من جرائد المسلمين في مصر وسوريا

من قرظ كتابه الذي لفقه في الطعن بالإسلام وأئمته، ووجه أنظار المسلمين إليه،

وحثهم عليه، أليس من الألغاز والمعميات التي يصعب حلها على الأكثرين أن

جريدة بيروتية إسلامية تقرظ كتابا يطعن في الإسلام ويحرف كلام أئمته ليقنع

المسلمين بما يقول ويزعم أن الجمع بين الرياسة الدينية والمدنية في خليفة المسلمين

قاض بهدم الإسلام وتأخر أهله عن جميع الأمم ويصرح بأنه يجب على المسلمين

إزالة هذا المعنى في الخلافة وجعل السلطان رئيسا مدنيا كملوك أوربا، إلى آخر ما

أشرنا إليه في باب الشبهات وسنوضحه بمقالة مخصوصة؟ بلى إن هذا من عجيب

(غرارة) المسلمين المشروحة في الاجتماع الثامن لجمعية أم القرى المنشور في هذا

الجزء أو من عجائب تساهلهم.

مع هذا كله يقولون إننا متعصبون وإنهم متساهلون، كأنه يتعذر علينا أن

نرضيهم ونحن مسلمون، ﴿ولن ترضى عنك ... ﴾ (البقرة: 120) ولا ننكر أن

أصحاب الصحف المعتبرة كالهلال والمقتطف والمقطم والأهرام غير راضين عن

خطأ الجامعة وفتحها أبواب التعصب على المسلمين وهم يبعدون عن جعل صحفهم

دينية.

***

(الفلسفة القديمة وابن رشد)

فلسفة المتقدمين من اليونان والعرب الذين جروا على آثارهم قد نسخت

بالفلسفة الحديثة، ولم يبق للبشر حاجة فيها إلا من الجهة التاريخية فلا ينبغي تضييع

الوقت بالاشتغال بنظرياتها العقيمة إلا لأفراد يتفرغون لحفظ تاريخ العلوم ليعرفوا

نسبة الماضي إلى الحاضر وهؤلاء الأمراء لا يوجدون إلا في الأمم الراقية التي

أحاطت بالعلوم والفنون العصرية التي عليها مدار العمران لأن حفظ سلسلة الفلسفة

والعلم من الأمور التي يسمونها كمالية وأمامها مرتبتا الأمور الضرورية والأمور

الحاجية.

ولا يخفى أن أهل هذه البلاد لا يزالون في المرتبة الأولى فلا يجوز أن تشتغل

أفكارهم بالمرتبة الكمالية لأن ذلك تضييع للوقت وإفساد للفكر، فالاشتغال بنشر

فلسفة ابن رشد وأمثاله بين القارئين وترغيبهم فيها ضار بهم ولو كان ضروريا أو

حاجيا لطلبوه بسائق المنفعة وقرروه في مدارسهم.

نعم إن ابن رشد عالم متكلم إسلامي كما هو فيلسوف، فما كتبه في نسبة

الفلسفة إلى الدين ينبغي أن يطلع عليه المشتغلون بعلم الكلام في الأزهر وغيره من

المدارس الدينية وذلك هو كتابه (فصل المقال) المطبوع بمطبعة المؤيد، ولا بأس

للمتوغل في علم الكلام من النظر في كتابه تهافت التهافت بعد النظر في كتاب

تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي وكلاهما مطبوع بمصر في كتاب واحد وثمنه بخس.

ولا يصح لعاقل أن يعتمد في فلسفة ابن رشد - إذا هو أرادها - على تلخيص

مثل صاحب الجامعة من كلام رنان أو من الكتب العربية فإن صاحب الجامعة شاب

لم يتعلم إلا مبادئ علوم المدارس في مدرسة كفتين فهو لا يفهم هذه الفلسفة ولا هو

حسن القصد في بيان ما يفهمه كما علم من مقالة (الأسباب والسنن) المنشورة في

هذا المنار، ويعلم مما سننشره في إثبات أن دين الإسلام مبني على العقل كما صرح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٠٣