تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أساليب الإنشاء وترتيب المعاني والدقة في التعبير عنها إنتقاد الألفاظ اللائقة بها فكما

أن من يعاشر بعض خواص الأجانب يقتبس شيئا من خصائصهم بغير أن يكون ذلك

موجبا لمشابهته لهم بحال من الأحوال كذلك معاشرة الأقدمين بواسطة ما تركوه من

آثارهم توحي إلينا شيئا من عوائد العقل واللسان المناسبة لكافة الأقوام المستضيئين

بضياء العرفان.

التقليد الخسيس سواء قلد فيه الغابرون أو الحاضرون لا يقتصر سوء أثره

على إضعاف الذوق والميل إلى الفنون بل إنه يسلب الناشئين شرف النفس وكرامتها

فلشد ما ينخدعون بما تؤديه لهم الألفاظ والجمل تفعل في نفوسهم ما يفعله السحر

الحقيقي فتراهم يتوهمون أنهم يتفكرون فيما يقولون ويكتبون والحق أنهم يرددون ما

فكر فيه المفكرون ولعمري إن هذا هو أصل بعض الأباطيل التي تحاول من قرون

عديدة إطفاء نور العقل، ذلك أن ضروب الاستعباد متلازمة فمن قبل واحدا منها فقد

أخذ على نفسه الرضوخ إلى جميعها ألا ترى الشاب المتعلم الذي اعتاد تقليد ما

يصفه المقلدون بالمثل الحسنة يصاحبه في سيرته وأطواره روح اللين والانقياد الذي

ألفه من التقليد فنجده يجبن ويفزع عند كل عزيمة ذاتية.

نعم إنه قد يخاطر بحياته في براز أو يعرضها للهلكة في ساحة قتال لأنه يرى

ذلك مستحسنا في نظر الناس ولكنه إذا دعي إلى مقاومة عادة بربرية أو تأييد حق

قل ناصروه ورأى أن من وراء ذلك الاستهداف للسخرية والزراية عليه نكص على

عقبيه نكص الجبان وفر فرار الرعديد.

مثل هؤلاء المخلوقين المجردين عن ذواتهم يجدون طريق عيشهم ذلولا

ويأتيهم رزقهم بلا نصب لكن ما أكثر ما يسومون أنفسهم من الخسف وما أحط ما

يسفلون بها إليه من دركات الذل، عرفت امرأة برزة [4] محبوبة حسنة المظهر

وكانت أرملة ولها ولد كان قبلة آمالها، فبدا لها في يوم من الأيام أن تنشئه على

أحسن آداب المواضعة المعروفة فرأت أن الاستشهاد بأقوال الكتاب اللاتينيين في

المقامات المناسبة من المحاورة والتمثيل بأشعارهم وإيراد أمثالهم من الأمور التي لا

بأس بها بل إنه يكسو المحاور إذا كان حسنا بردا من الخطر ويلقي عليه مسحة من

جلال القدر فأرسلت ولدها إلى المدرسة فغادرها كيوم كدخلها خفيف العقل لم يستفد

من العلم إلا قشورا محبوبة عند الناس ولكونه أوتي ذاكرة مباركة كان يتكلم في

كل موضوع ويناقش في كل شيء ولا يبدي رأيا إلا قوبل بالاستحسان لأنه يسهل

على كل إنسان أن يرضي الناس عنه إذا سلم لهم ما يقولون ولم يعارضهم في شيء

من آرائهم فكان ثرثارا عديم الخلق حسن الصورة عقيم الفكر أرادت والدته أن

تصيره رجلا من الأكياس أو نائبا لأحد الحكام أو معتمدا سياسيا لحكومته في بعض

البلدان وإن أحببت أن تعرف ماذا صيرته قلت إنها صيرته طفيليا.

إن طريقتنا في التربية تظهر بادي الرأي سخيفة مضحكة وإن جاز أن تكون

مما يتعاصى على الأفهام إدراكه وربما لا تطابق أي طريقة غيرها مطابقتها لمقاصد

حكامنا ونظامنا السياسي.

التلامذة في مدارسنا مقترعون مدنيون تبكر الحكومة بتأهيلهم لوظيفتهم على

نظام معنوي يشف عن حذق واضعه، فأنت ترى القائمين على تربيتهم يوزعون

عليهم متاعا من الآراء والعلوم التي يجب عليهم تقلدها في مستقبلهم مراعين في ذلك

الدقة العسكرية التي تراعى في توزيع متاع الجند وينادونهم: (الهوينا) أيها

الأحداث، وإياكم أن تحيدوا عن الخطة المضروبة لكم، نعم إن منهم من يولونهم

أدبارهم ولا يصغون إلى ندائهم وإن كثيرا من هؤلاء يتحيزون إلى فئة الآخذين

بحرية النظر ويتضاعف عددهم كل يوم ولكن لشدة ما يلاقون على ذلك من العقاب

يحرمون من تقلد الوظائف العلمية في المدارس الجامعة ومن القيام بالوظائف

الإدارية في الحكومة فلا يولى أحدهم شيئا منها وفوق ذلك تراهم إن لم يسيروا سيرة

مرضية وقد أخذت الحكومة على نفسها تعليمهم كيف يسيرون بما تتابعه لهم من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٩٢