تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عقليا.

ويعلم الناظر في فلسفة القدماء أنهم كانوا يعتمدون على الأدلة النظرية في

الحكم باستحالة الشيء أو وجوبه عقلا فالغزالي وغيره من أئمة علم الكلام بينوا أن

المستحيل العقلي هو ما كان بمعنى اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أو اجتماع

الضدين بمعنى النقيضين. وقالوا: إن المستحيل والواجب الضروري في نظر العقل

لا تتعلق بهما قدرة الله تعالى وإنما تتعلق قدرة الله تعالى بالممكن فقط، فكانت فائدة

قول المتكلمين في أمرين عظيمين هما أساس لترقي البشر (أحدهما) أن ما ثبت

أنه ضروري (واجب) أو مستحيل لا يطمع فيه الطامع لا من جهة الكسب ولا من

جهة الالتجاء إلى الله تعالى لأنه لا يتغير.

(ثانيهما) أن للممكنات سننا منتظمة ينبغي للإنسان أن يعرفها وينتفع بها،

ولكن لا ينبغي أن يوقف حركة استعداده، عند ما يظهر له بادي الرأي أنه لا يتغير بل

عليه أن يبحث لعله يقف على سنة إلهية أخرى تكون السنة التي ظهر له اطرادها

مشروطة بها فيجمع بين الانتفاع بالسنتين معا، مثال ذلك أن السنة الإلهية الظاهرة في

النار أنها تحرق ما يقبل الاحتراق، فلا ينبغي للإنسان أن يجزم بأنه لا يمكن أن ينتفي

هذا الاحتراق؛ لأنه ضروري بل عليه أن يبحث لأن الاحتراق ممكن وربما يكون

حصوله مشروطا بانتفاء وجود مادة من المواد لو عرفت يمتنع الاحتراق بها، وقد

اكتشف الآن ما يمنع الاحتراق في الجملة وانتفع به في وقاية المكاتب العمومية.

فبهذا التقرير أتى حجة الإسلام على تلك الفلسفة النظرية من القواعد (وإن

أساء ابن رشد في فهم بعض قوله وكابره في بعضه) وأظهر حكم الدين الإسلامي

في إطلاق العقل الإنساني من تلك القيود النظرية ليسبح في فلك الله مهتديا بسنن الله

فيه وقد جرى (باكون) على هذا الأثر فقرر أن الأدلة النظرية لا يعتمد عيها في

إثبات المسائل العلمية ما لم تؤيد بالتجربة والاختبار، قال باكون هذه الكلمة التي

يعدونها أساس النهضة العلمية الجديدة في أوربا وقد كانت معروفة عند المسلمين من

قبله (كما تقدم في مقالات الإسلام والنصرانية) وما كانت عنده أكثر جلاء

ووضوحا لأنه كان يعتقد بخلافها كالتنجيم والكيمياء القديمة وحجر الفلاسفة وهي

أمور وهمية لا ترتقي إلى أن تكون نظرية مظنونة، ولكن أوربا كانت مستعدة

بارتقاء العلم فيها إلى الأخذ بما قال من وجوب الاعتماد على التجربة والاختبار

فعملوا بذلك وارتقى العلم به وعد باكون إمام هذه الطريقة التي قررها المسلمون

وعملوا بها من قبله.

والنتيجة أن صاحب الجامعة أخطأ في زعمه أن الإمام الغزالي أنكر الأسباب،

وفي زعمه أن مذهبه في السنن الإلهية غير ما قلناه في (المنار) وندعو إليه

دائما، وفي زعمه أن بينه وبين قاعدة باكون سورا عاليا، وفي زعمه أيضا أن

التلازم بين الأسباب والمسببات أو النواميس إذا لم يكن ضروريا (أي واجبا عقليا

يستحيل عدمه) تصير النواميس فوضى فإن خالق الكون وواضع نواميسه إذا كان

حكيما لا يفعل شيئا إلا بنظام كما دل على ذلك كتابه العزيز ودل عليه الوجود

فكيف يكون الأمر فوضى، ومن قال: إن النظام في الكون مشروط بكون الله تعالى

غير قادر وغير حكيم؟ ما قال بهذا إلا صاحب الجامعة النصرانية يثبت أن مذهب

المتكلمين المسلمين باطل في نفسه ومؤد إلى إنكار حكمة الله تعالى وقدرته، ولم نر

من المنكرين على الدين أشد تهافتا في طعنه بالإسلام وأئمته الأعلام مثل هذا الكاتب

الجديد الذي حاول الشهرة والنجاح من غير طريقهما كما فعل ذلك المعتوه الذي

تخلى في مذبح تلك الكنيسة العظيمة ليشهر اسمه، فبئست الشهرة بمكابرة الحق

وتحريف كلام الأئمة لأجل دريهمات تجيء من عدو للإسلام يحب أن يتشفى من

أهله ولو بزور الكلام، وهو أعلى من أن تعرج إليه الأوهام.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٨٥