بالتحديق، وبنفوذ أشعة البصر من الحجاب الصفيق، ذلك أن كل إنسان يدرك مما
يشاهده ويمر به ما هو مستعد لإدراكه وينبو طرفه عما سواه وإن كان واضحا جليا.
فما بالك إذا كان ما يعلو استعداد الناظر الحسير خفيا سره، مجهولا عنده
أمره.
إن سير الأمم يشبه سير الظل لا نعد له الخطوات، وانتقالها يحاكي انتقال
النجوم السيارة لا تدركه لا وقد فات، والوليد يعذر إذا أنكر سير الظل وجزم بأنه
واقف؛ لأنه لا يرى حركته، والجاهل بعلم الفلك يعذر إذا أنكر بديئا أن السيارات
تسير من الغرب إلى الشرق؛ لأنه يراها تغيب في جانب الغرب فهو يرى أثر
حركة الأرض؛ لأنه قريب يكون كل يوم ولا يلاحظ سبب تأخر طلوع القمر كل
ليلة فضلا عن غيره من السيارات، كذلك يعذر الماجن إذا جاء باريس فعكف فيها
على الحانات والمواخير وإذا قال إن غاية مدنية أوربا إباحة الفواحش والفجور ولا
غاية وراءها ويعذر كليل النظر إذا جاء مصر فرأى فيها كل شيء دون ما كان
يسمع إذا حكم على مستقبلها بضد ما كان يحكم به وهو بعيد عنها ويئس من مستقبل
الإسلام بالنسبة إليها.
يعذر باليأس إذا دخل الأزهر فرآه كعالم الخيال لا أثر لحال الناس في علمه
ولا أثر لعمله فيما عليه الناس في سيرهم ورأى أن الآثار القلمية التي تصدر عن
مصر ليست منه في شيء ولا هي مرضية في الغالب عند أهله وإنما جل علمهم
مناقشة في أساليب المؤلفين وتدقيق في تحليل عبارات كتب مخصوصة اختاروا
تدريسها، ثم رأى أن أهله غير محترمين عند طبقة من طبقات الأمة حتى إن
الحوذي (سائق المركبة) ليسخر من المجاور في الأزهر ومن العالم أيضا إلا
بعض الوجهاء الذين يحترمون لمناصبهم التي بقيت لهم أو لثروتهم وقليل ما هم.
ويعذر به إذا غادر الأزهر إلى المدارس فرأى فيها العناية باللغة الإنكليزية
أضعاف العناية باللغة العربية، ورأى التلامذة يتلقون تاريخ الدين عن المدرسين
الأوربيين، ورأى علم الدين كالرسم الدارس، لا يحفل به المدرس ولا الدارس،
وظن لذلك أن الإنكليزية سوف تستبدل بالعربية، ويعذر به إذا شاهد الجريدة الهزلية
البذيئة تطبع منها ألوف من النسخ فتباع بالنقد يدا بيد ويتهافت عليها القارئون
والقارئات من جميع الطبقات، يلغون بها مقهقهين ولا مثار للقهقهة والكركرة، ولا
للإهلاس والهرنفة، ثم يرى قراء المجلات العلمية والتهذيبية على قلتهم يلوون
ويمطلون ولا يخرج منهم حقها إلا نكدا. ويعذر به إذا لاحظ حال تلامذة لمدارس
وبلا أخبارهم، واكتشف ضمائرهم وأسرارهم، فرأى أكثرهم مشغولين بالسفاسف
فاسدى التربية قصيري الآمال لا هم لأحدهم إلا أن يكون موظفا في الحكومة لا
ليرفع شأن أمته ولا ليخدم مصلحة بلاده ولكن ليكون رزقه مضمونا فلا يتكلف عناء
الأعمال، وإن كان وراءها نعيم الاستقلال - ويعذر به إذا رأى الأغنياء والوجهاء
لا هم لهم إلا التمتع باللذات تنبسط أيديهم في الإسراف والمخيلة، وتنقبض عن
الأعمال الجليلة ويكون أعذر باليأس والقنوط إذا رفع بصره إلى الحكام والأمراء
ورآهم ألعوبة في أيدي الأجانب. وقد أخذتهم الفتن من كل جانب.
هذا ما يراه الطرف القصير والبصر الحسير، ويبني عليه حكمه الجائر ولكن
الإسلام يسير من وراء مدى طرفه سيرا طبيعيا، ويتقدم تقدما تدريجيا، يسير بلغته
وعلومه سير الظل الوارف وينتقل انتقال الكواكب من الغرب إلى الشرق في الباطن
ومن الشرق إلى الغرب في الظاهر بل كل واحد من الخافقين يسير نحو الآخر كلما
خطا المسلم إلى المدنية الأوربية المسرفة خطوة، خطا مثلها الأوربي إلى الإسلام
أو أبعد منها أو أقرب ولا ندري وهما في مبدإ السير أيهما يكون الأسبق إلى تحكيم
الإسلام في هذه المدينة المسرفة المائلة ليرجعها إلى الاعتدال الذي هو غاية الكمال
الممكن؟ ولكننا نعلم أن التلاقي هو نتيجة هذا التقرب المستمر وإن ذلك لواقع ما له