في ذلك عن الحكام، ولذلك تيسر لهم محاربة العلم زمنا طويلا ولما دالت للعلم
الدولة، وفاز بالنصر سالموه واستعانوا به على حفظ الدين حتى إن أزمة المدارس
أصبحت في أيديهم فلم يتركوا مدرسة بدون كنيسة، ومن عجزوا عن إقناعه بقضايا
الدين وإلزامه بالعمل به والدعوة إليه لا يعجزون عن إقناعه باحترامه والدفاع عنه
باعتبار أنه رابطة للجنسية ولا يزال لهم من السلطان في الأمم المسيحية حتى
أكفرها بالدين كفرنسا ما يخيف الحكام منهم فيضطهدونهم. وليس للمسلمين مثل هذه
الرياسة المنتظمة في فرقة من الفرق ولا في قطر من الأقطار وما عند الشيعة من
المجتهدين ليس لهم من النظام والثروة ما للإكليروس عند النصارى ولا يرجى منهم
مثلما كان من أولئك.
ترى رئيس علماء الدين في مصر - وإن لقبوه بشيخ الإسلام - لا يرجع إليه
بشيء من أمور المسلمين ولا يستشار في كيفية تعليمهم وتربيتهم وليس له سلطان ما
على أوقافهم الخيرية، ولا إشراف على أعمالهم الاجتماعية، وكذلك شيخ الإسلام
الرسمي في دار السلطنة العثمانية لا وظيفة له إلا تعيين القضاة والمفتين وعزلهم
فهو موظف تحكم عليه السياسة ويعزله السلطان متى شاء وليس له من الاستقلال
في علمه مثلما لرؤساء الديانة النصرانية على أن عمله للحكومة لا للأمة. وأكبر
من هذا كله أن رجال الدين الإسلامي لا يعهد إليهم بشيء يستقلون به دون الحكومة
ولا خدمة المساجد، فالحاكم السياسي هو الذي يجعل إمام الصلاة إماما وخطيب
الجمعة أو الحج خطيبا فهو عند المسلمين رئيس ديني مستقل وإن شرع لحكومته
غير ما شرع الله، وصار يحكم بين المسلمين باسمه دون اسم الله ! ! !
يقول الناظر: إذا كان حال الحكام المسلمين ما نرى من البعد عن الدين
وصاروا كما قال الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به
الله} (الشورى: 21) . إذا كان المسلمون على هذا راضين عنهم وخاضعين لهم
مع علمهم بأنهم خاضعين للأجانب إما ظاهرا وباطنا وإما باطنا فقط. وإذا
كان علماء الدين لا يرجع إليهم بشيء من سير الأمة الاجتماعي والأدبي ولا هم
ينتدبون لذلك من أنفسهم ويجعلون الأمة مضطرة إلى الرجوع إليهم، والاعتماد في
تربيتها عليهم. وإذا كان المتعلمون على الطريقة الأوربية من المصريين والأتراك
كثيرا ما ينبذون الدين ظهريا، ويحسبونه شيئا فريا، ويستحلون الخمور،
ويستمرعون مرعى الفجور، ويفضلون الظلمة على النور.
وإذا كان هؤلاء المتعلمون هم الذين يتولون الأحكام، ويأخذون من الأمة بكل
زمام، وإذا كان الناس على دين ملوكهم، والرعايا تبعا لحكامهم، وناموس الاجتماع
قاض بتقليد الناس لأمرائهم وكبرائهم - أفلا يحق لنا أن نحكم بأن المسلمين سيكونون
أسرع في ترك دينهم ممن سبقهم، فإن كان الجهاد بين العلم والدين في أوربا مدة
خمسة قرون قد أنجم ببقاء الدين في نمو وسلطانه في نفوذ وعلو، فلا يمضي على
المسلمين قرن أو قرنان إلا وهم في خبر كان، وإذا لاحظنا أنه ليس للمسلمين جنسية
ولا وطنية تقوم مقام الرابطة الدينية، وأن الذين أحبوا الامتياز فيهم والانتفاع منهم
بدعوتهم إلى الوطنية لم ينجحوا؛ لآن تأثير الدين لم يجعل لهم تأثيرا بل عدهم الذين
يفهمون حكم الإسلام وأسراره أعداء للإسلام، وإن كانت أسماؤهم أسماء المسلمين -
فلنا إن نحكم بأن المسلمين سيفقدون بانحلال الرابطة الدينية كل استقلال، ويكون
مصيرهم إلى الزوال، فلا تفيدهم سعة البلاد، ولا كثرة التعداد؛ إذ لا كثرة مع فقد
الرابط العام، كما لا يكون العقد بغير نظام.
هذا ما يقول الناظر بإحدى عينيه، إلى ما بين يديه، وأعني بإحدى العينين
العين التي تنظر إلى السوءى دون الحسنى وإلى منافذ الخوف دون أبواب الرجاء
وأعني بما بين اليدين الظاهر الشائع من حال الأمم دون الخفي الذي لا يرى إلا