عاطفة التراحم وقطع طريق الصنيعة وعمل المعروف فلا يليق بالدين أن يبيحه.
ومن بليغ الكلام , ما قاله الأستاذ الإمام , وهو: إن الربا عبارة عن استغلالك
حاجة أخيك. وإن مشروعية التعامل بالنقود خاصة تفضي إلى الجناية على التجارة -
وسنفصل القول في الربا ومضاره في فرصة أخرى.
أما حقيقة الربا فليس بعد بيان الله تعالى فيها بيان قال تعالى: {ذلك بأنهم
قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا} (البقرة: 275) فعلمنا أن
الربا قسيم البيع ومقابله، فالجامع بينهما المعاوضة، والفارق هو أن أحد العوضين في
البيع وهو الثمن يقابل جميع العوض الآخر وهو المثمن بخلاف الربا فإن أحد
المتعاوضين فيه يأخذ جزءا من مال الآخر بدون عوض ولا مقابل، وهذه التفرقة
معتبرة في التسمية إلى الآن، فالربا لا يسمى بيعا، ولكن من البيع ما تدخله شبهة
الربا بحسب ما توسع فيه الفقهاء من أحكامه وجزئياته، ولكن من فهم حكمة الشارع
المبنية على درء المفسدة وجلب المنفعة لمجموع الأمة يقدر أن يميز بتفقهه في الدين
بين المعاوضة والمقصود بها البيع، ونفع أخيه بمثل ما ينتفع به منه بالمعروف،
وبين انتظار الفرص لضرورته واستغلال حاجته وأكل ماله بالباطل.
وإنني أنصح للأخ السائل وغيره من تجار المسلمين الذين يهمهم أمر الدين أن
يلاحظوا هذا الفقه الحقيقي ويجعلوه الأصل في معاملتهم؛ لأنه هو روح الدين وسره
الذي يتعلق بإصلاح القلب وتزكية النفس، فإذا أفتاهم علماء الرسوم بفتوى تؤدي إلى
منع الزكاة بحيلة من الحيل , أو أكل أموال الناس بلا بدل , أو تجعل البيع ربا؛
فليحتاطوا لأنفسهم فإن الله تعالى ما تعبدنا بظواهر الألفاظ ومدلولات كلم الناس وما
يضعون من الأقيسة والقواعد التي لا تصلح بها القلوب.
وقد قال عليه السلام لوابصة (استفت نفسك البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت
إليه النفس والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) رواه
أحمد والبخاري في التاريخ وغيرهم. ومن فقه ما ذكرنا لا يحار سواء عليه أعد تلك
الأنواط عروضا أم عدها نقودا، والذي يميل إليه القلب هو اعتبارها نقودا.
وأما الحديث الذي ذكره فهو جزء من حديث صحيح أخرجه أحمد وابن أبي
شيبة في مسنديهما ومسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجه في سننهما عن عبادة
ابن الصامت ولفظه: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير
بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه
الأصناف فبيعوا كيف شئتم إن كان يدا بيد) ومعلوم أنه إذا اختلف الصنف بطل الربا
ولا معنى لبيع شيء بمثله من صنفه إلا إذا كان من جيد ورديء، وفي هذه الحالة
أجاز النبي صلى الله عليه وسلم المعاوضة بالتفاضل بشرط أن يكون بيعا يقدر بالثمن
كما في حديث البخاري وغيره.
وليس هذا من الحيلة التي تضيع بها حكمة التشريع، وإنما هي سد لذريعة الربا
وبيان لقاعدة نافعة وهي أن الربا ينتفي بقصد البيع فكل ما تحقق فيه معنى البيع
فليس من الربا في شيء. هذا ما يتسع له المجال الآن وسنعود إلى الموضوع ونطلب
من العلماء الكرام بيان رأيهم لننشره والله الموفق للصواب.
***
(س2) السيد أحمد منصور الباز ببني صالح: يعتري بعض الناس حال
تسميها العامة (جذبا) فيغيب عن وجوده حتى يصير كالمجنون لا يدري ما يقول
ويفعل ويظهر هؤلاء بمظاهر مختلفة تعتقدهم العامة بل والعلماء، وكتب الصوفية
طافحة بأخبارهم وأخبار القطب والأنجاب والأوتاد والأبدال، ويسمون مجموع
هؤلاء الدائرة القطبية ورئيسها القطب الملقب بالغوث، ويقال: إنه يتلقى الأوامر
الإلهية وتفيض منه إلى الدائرة القطبية بترتيب معروف عندهم فما رأيكم فيهم؟
نرجو الإفادة بالمنار ليظهر الحق للناس كافة.
(ج) أما الحال التي يسمونها جذبا فهي فن من فنون الجنون، وإنما