الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
مكتوب في حق مسلوب
يظن الذين لا فضيلة لهم بأن العفة والشهامة والشمم والإباء وعزة النفس
والنجدة، وما أشبهها من السجايا الفاضلة - ألفاظ لا توجد إلا في القاموس، وهي من
لغو الكلام الذي لا يصدق على شيء، وقد جاءنا من مدة مكتوب من صديق نعرفه
من أفضل الفضلاء، وأئمة محاريب الإنشاء يحكي فيه عن شيء اتفق له وهو
صادق في جميع ما قال، وهاك مكتوبه معرفا بقلم يحاكي قلمه:
سيدي رب الكمال
مذ أفكر في فتور المراسلة بيننا طول هذه المدة يعروني الخجل، ويؤثر في
نفسي أثرا يذهب بالراحة والطمأنينة، ولا شيء أشد نكاية على الإنسان من مؤاخذة
نفسه له وعتاب ضميره الذي لا يعذر ولا يحابي.
ترى ما هو الحكم الذي تسجلونه علي، أو ما هي التهم التي توجهونها إلي
عندما تفكرون في انقطاع رسائلي عنكم كل هذه المدة؟ أما أنا فالله يعلم أنني بريء.
بينا أنا متألم من الجراح التي فتحتها في قلبي مصائب الوطن، إذ رأيتني الآن
مشغولا بمحنة نفسي مضطربا من النازلة الفادحة التي ألمت بي رأيتني أصارع
الظلمة وأواثب المعتدين، فلقد حرمت من حقوقي، وهي بمثابة الشمس في الظهور
والنهار في الجلاء والوضوح، الحق أقول: لو كنت أدوس تحت قدمي الناموس
والحمية وسائر المزايا الإنسانية الشريفة في سبيل نيل المطالب الخسيسة، وتناول
الحظوظ الفانية، وأهين النفس في التزلف إلى أولئك الأسافل النازين على مراتب
العلية [1] وذوي السبق والفضل، فألثم أرجلهم القذرة وأذيالهم النتنة وأيديهم الدنسة
وأضعها على الرأس تبجيلا لهم وتفخيما، بل لو كنت أسلك في طلب حاجتي مسلك
التسول مبالغا في الملق والتبصبص [2] محركا بضراعتي عاطفة الحنان والشفقة
علي كما هو شأن أصحاب الدناءة الذين يحسبون أن هذا العمل هو مناط المجد،
وأقرب وسيلة لنيل الفخر والشرف، أو لو كنت أظهر الخضوع والتخشع إلى درجة
تحاكي العبادة لقوم هم أخبث من الشياطين لأجل جلب توجههم إلي، وأغرق في
مدح الفراعنة والملاعين حتى أصعد بهم من أرض البشرية إلى سماء الألوهية تقليدا
لأولئك المداهنين المخذولين، ولا أربأ بنفسي عن عرض العبودية لهم بمثل قول
الشاعر:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
لو كنت آتي بشيء من ذلك لما رجعت بخيبة، ولما صادفت حرمانا؛ لكنني
بحمد الله لم أدع عملا كهذا يخلص إلى خاطري أو يحوك في نفسي، نعم أحببت أن
أعرض شيئا من الآثار الأدبية التي تناسب عجزي وقصوري مؤملا أن تكون خير
وسيلة للرقي، وأمثل طريق للسعادة، وكنت لا أظهر من كلمات التحسين والتحبيذ
المستخرجة من خزينة (آفرين) التي لا نفاد لها والتي شكا منها الشاعر نابي [3] .
لكن بعيشك قل لي هل استفدت من سعيي بطائل؟ وهل أثمر سوى الخيبة
والحرمان؟ وهل كانت بشاشتهم في وجهي سوى ضحك يدل على الاستهزاء
والسخرية بأوضح تعبير، إن أولئك الخسرة الذين سميتهم ظلمة قد غمطوا حقي
بغير مساغ مع أنهم - واحنقاه - يعترفون بذلك، يقولون لي: هكذا جرى فلا تتألم،
كما إذا ضربت أحدا بلا ذنب ولا سبب وقلت له: لا تأس ولا تتكدر.
يا للعجب، هل أنا من قوم رزئوا بالعجز، وأصيبوا بكل ضروب المهانة
فأتحمل هذه الإهانة؟ هل أنا أسير الذلة أو ذليل المنة حتى أحني ظهري للاستخذاء؟
هل شأني شأن أولئك الأذلاء الذين رئموا للدناءة وألفوا المهانة حتى أراني أوطأ
بأقدام المذلة ثم أعتد ذلك حسنا جميلا؟ ما هو السبب للإغضاء والتحمل؟ لست
عاجزا ولا وضيعا فأهضم الظلم وأغمض على القذى، لست خاليا من العزة وعلو
الهمة فأحمل نفسي على الرضا وعدم المبالاة، لست من فاقدي العزيمة الذين
يستحوذ عليهم اليأس فيفرطوا في حقوقهم حتى أزج نفسي في زاوية الضعة
والخمول، فطرتي ليست ملوثة بالجبن والخور حتى أتهيب من ادعاء الحق،
طينتي لا يشوبها شيء من الخساسة والسفالة حتى أطأطئ عنقي لصفعة الإهانة، لا
يليق بالجريء الذي لا يهاب أن يعمل عمل الجبان العاجز حتى أسلك سبيل الدهان
والنفاق، فأسمي الباطل حقا والمنكر معروفا، لا يحسن بذي الغيرة والحمية أن
تتحول حرارة غيرته وغليان حميته إلى برودة وخمول حتى أرى بعيني من يبتز
حقي، وينتهك حقيقتي، ثم أسكت كظيما، وأنكس مهضوما، لا أرضى أن أكون
فاقد الشعور كالأموات، عديم التأثر كمن إيفت حواسه، أنا حي أشعر بحقوق
الأحياء، فأتألم من كل ما يصادم الحق ويمس الشرف، إنسان أنفر وأضطرب لكل
معاملة تنابذ الإنسانية وتحط من كرامتها.
واعجبا! تسعى البهائم جهدها في صيانة فرائسها وحفظها من مخالب أعدائها
وأتقاعس أنا عن انتياش حقي من أيدي الظلمة المتغلبين، هل الإنسانية أحط شأنا
من البهيمية أم الحق المقدس في نظري من محقرات الأمور والسفاسف التي لا يؤبه
لها؟
قسما بالقهار المنتقم لأجتهدن ولأثبتن في الدفاع عن الحق حتى آخر نفس من
حياتي، ولو اعترضت دوني شوامخ الجبال، وقام في وجهي سد من حديد
لأقتحمنها بعزم المتجلد وصبر المستميت، ما دمت أجد في لساني ذرابة، وأحس
من قلمي بمضاء، فلست بممسك لساني عن القول، ولا بوازع قلمي عن العمل،
ما دام في قلبي صبر وفي عزمي قوة، فلا أحبس نفسي عن الكفاح، ولا أمنع
قدمي عن الإقدام، بل لو تمثلت في سبيل عزيمتي الأهوال، وكشرت لي عن
أنياب غوائلها الأغوال، وكل ما يسمونه خطرا وهلكة - لما صدني ذلك عن بلوغ
غايتي، ولما غشيني لأجله ونى ولا فتور.
قد كنت قلت قولا وأقول الآن: (إن لدي من السآمة للحياة بقدر ما عند الناس
من الكراهة للموت) لتنغمس تلك الحياة المرة في بحار ظلمات العدم التي لا يدرك
قعرها، لتهو في آخر دركات الجحيم، نعم ماذا يضر لو عجنت قبضة من تراب
الأرض بدم مظلوم أريق في سبيل نصرة الحق؛ لكن ليعلم الظالمون وليكونوا في
أمن من رؤية انتقالي من دار الدنيا قبل أن أعمل في تشهير قبائحهم، والإشادة
بمخازيهم وفضائحهم في أقطار العالم، وأصب على رؤوسهم - وسحقا لها - سياط
المصائب، وأقذف عليهم صواعق البلاء، وأدعهم يئنون تحت أعبائها ويتململون
من مس آلامها.
لا جرم أن موقد نار الظلم، والعامل على تخريب البيوت لا تنام عنه العيون
﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ (الشعراء: 227) .
يا سبحان الله! بينا أنا في صدد الاعتذار عن عدم كتابة رقيم إليك، وإذ
بالتأثر والامتعاض حفزني من حيث لا أشعر فهمت في كل واد، وتفننت في
أساليب الكلام، على أنه لا ينبغي العجب؛ فإن من كان مثل مخاطبي في الاطلاع
على الخفايا والوقوف على الأسرار يجب أن لا أكتمه حديثا، ولا أخفي عنه ما
يحوك في ثنيات النفس.
فهاك يا سيدي قصتي عرضتها على النظر الكريم، ويغلب على ظني أن
معذرتي عن تراخي مكاتبتي تتكفل بعفوكم؛ لأن قبول المعذرة من شأن الكرام،
وأرى أن أختم كلامي بعرض افتقاري إلى فوائدكم العلمية، وأود أن أكون ذا
نصيب منها مولاي.
-----------------
<span class="footnote">
(1) العلية: بالضم والكسر مع تشديد اللام المكسورة والياء: الأشراف والأعلياء.
(2) التبصبص والبصبصة: تحريك الكلب ذنبه تقربا للإنسان، ويطلق على التملق مطلقا، وعند عامة المصريين النظر إلى النساء بشهوة والتعرض لمغازلتهن، وهو تجوز يليق بأولئك الأدنياء الذين هم أحقر من الكلاب.
(3) نابي: أحد مشاهير شعراء الترك وحكمائهم والمقصود من شكايته قوله:
ارزان متاع نضل وهند باق نه رتبه كيم ... بيك معرفت رمانه ده سر آفرينه در
أرباب دهر هر هنره آفرين ويرر ... يارب لو آفرين نه توكنمز خزينه در
والمعنى: تأمل فيما آلت إليه أثمان المعارف والفضائل في هذا العصر، ترى الأديب يظهر ألف أثر فلا ينتقد عليه سوى (آفرين) واحدة، وهكذا أرباب العصر جميعهم يعطون في مقابل كل أثر أدبي آفرين آفرين، فيا عجبا لخزينة آفرين كيف لا ينفذ مددها، ولا يفنى عددها، وآفرين كلمة استحسان تركية كمرحى في العربية.</span></span>