الشرائع. وليس معناها أنهم آلهة منزهون عن جميع ما يقتضيه الضعف البشري من
التقصير في القيام بحقوق الله تعالى على الوجه الأكمل، ومن الخطأ في الاجتهاد
ببعض المصالح والمنافع ودرء المضار. كلا إن الإنسان خلق ضعيفا، وما أوتي
من العلم إلا قليلا، ولا يمكن أن يحيط بوجوده المصالح والمنافع ودرء المضار
والمفاسد إلا من هو بكل شيء عليم، ومن ليس له هذه الإحاطة قد يخطئ في اجتهاده
فيعمل العمل وهو يعتقد أنه الصواب والخير فيجيء بخلاف ذلك - ومثل هذا يسمى
ذنبا من الكامل والمقرب؛ لأن الإنسان مستعد لإدراك الصواب في تلك المسألة التي
أخطأ فيها، فإذا وقع عرضا من الأنبياء يعاتبهم الله تعالى عليه ويغفره لهم ويأمرهم
بتبليغ ذلك لأمتهم؛ ليعرفوا الفرق بين الرب والعبد فلا يفضي بهم الغلو بتعظيم
أنبيائهم والإعجاب بفضائلهم ونزاهتهم إلى عبادتهم مع الله تعالى-.
ومن أمثلة ذلك اجتهاد نبينا صلى الله عليه وسلم في استمالة رؤساء
قومه وأغنيائهم إلى الإيمان الذي أداه إلى الإعراض عن ابن أم مكتوم لما جاءه يسأله
أن يعلمه مما علمه الله وكان يدعو صناديد قريش، فإنه كره أن يشتغل به عنهم لئلا
ينفرهم، ولا يخفى أن أولئك النفر من كبارهم هم الذين كانوا يحادون النبي ويناصبونه
ولو آمنوا أولا لتبعهم سائر قريش، فهذا هو وجه اجتهاده صلى الله عليه وسلم في
العناية بهم والإعراض عن الأعمى إذ جاء يشغله عنهم.
فعاتبه الله تعالى على ذلك وردعه عنه بالقول الشديد كقوله: {وما يدريك
لعله يزكى} (عبس: 3) ، فلتتل الآيات في أول سورة (عبس) وذلك أن سنة
الله تعالى مضت في أن الأديان تقوم بالدعوة والاقتناع والرؤساء والمترفون أبعد
الناس عن معرفة الحق وعن الخضوع له إذا عرفوه، وقد جاء في هذا المعنى آيات.
ومن الأمثلة أيضا عتابه في مسألة زيد وزينب (فلتراجع في ص 630
و714 من المجلد الثالث) . ومنها: إذنه صلى الله تعالى عليه وسلم للذين استأذنوه
في التخلف يوم الخروج إلى تبوك، وقد عاتبه الله تعالى على ذلك ألطف عتاب بقوله:
﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (التوبة: 43) الآية. فكان الأولى أن لا يأذن
ليعلم الكاذب المنافق، من المؤمن الصادق، ومنها مسألة أخذ الفداء من أسرى بدر
اجتهد صلى الله عليه وسلم وشاور فاختلف أصحابه فوافق رأيه رأي أبي بكر بأخذ
الفداء فعاتبه الله تعالى عتابا شديدا حتى بكى وبكى أبو بكر، وذلك قوله تعالى: {ما
كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله
يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب
عظيم} (الأنفال: 67-68) قال البيضاوي في تفسيره: والآية دليل على أن
الأنبياء يجتهدون وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه.
فهذه هي ذنوب الأنبياء وهم يستغفرون منها، وهي مغفورة لهم بفضل الله
تعالى لأنهم لم يريدوا إلا الخير والنفع وليس فيها قدوة سيئة، وإنما فيها فائدة
معرفة الناس أن النبي وإن جل قدره وعلت نفسه فهو بشر مثلهم ميزه الله تعالى
بالوحي وجعله إماما في الخير، وأنه على هذه الخصوصية يعاتب وينسب إليه
الذنب والتقصير، ويمنحه الله المغفرة دلالة على أن له أن يغفر له وله أن يعاقبه {قل
فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض
جميعا} (المائدة: 17) وعلى أن توقع نزول العقوبة بأصحاب المعاصي التي تنتهك
فيها الشرائع ويخالف الدين عمدا - وهو ما لا يقع من الأنبياء - أقرب، وأنهم أولى
بالخوف منه وأجدر بالتوبة. وأن الكمال المطلق لله تعالى وحده فلا رب غيره ولا
معبود سواه.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">