ونشأ في مدرسة مارماري وقرأ على روفائيل وبنيامين الراهبين اليعقوبيين.
ومن المقربين عند الخليفة: قسطا البعلبكي من فلاسفة دولة الإسلام وهو
النصراني، طلبه الخلفاء إلى بغداد لأجل الترجمة ثم يحيى بن عدي بن حميد بن
زكريا المنطقي انتهت إليه الرياسة ومعرفة العلوم الحكمية في وقته. وقرأ على متى
ابن يونس وعلى أبي نصر الفارابي.
ومنهم أبو الفرج الطبيب فيلسوف عالم، قالوا: كان كاتب الجاثليق ومتميزا
في النصارى ببغداد وكان يقرئ صناعة الطب في البيمارستان العضدي وكان
معاصرا للشيخ الرئيس ابن سينا والرئيس يمدح طبه ولا يحمد فلسفته وله كلام فيه.
وممن كانت له المكانة الرفيعة عند الخلفاء والخاصة والعامة ثابت بن قرة
الحراني الصابئ من طائفة الصابئين المعروفة، وتربى في بيت محمد بن موسى
بن شاكر الفلكي المشهور وبلغ في علوم الفلسفة مبلغا لم يدانه فيه غيره، وله تآليف
كثيرة في المنطق والطب والرياضيات وبلغ عند المعتضد مقاما تقدم فيه عنده على
وزرائه، وولد ثابت هذا سنة إحدى عشرة ومئين بحران ثم كان ابناه إبراهيم وسنان
على قدم أبيهما، ومن حفدته أبو الحسن ثابت بن قرة، وكان ثابت وإبراهيم وسنان
صابئين ولهم من المنزلة ما علمت ومدحهم كثير من شعراء المسلمين وهم صابئة.
ماذا أعد للجامعة من الفلاسفة والحكماء من الملل المختلفة الذين وسعهم صدر
الإسلام، ولم يضن عليهم بالرعاية والاحترام، هل تريد أن أتمم الكلام بذكر كثير
من فلاسفة الإسلام المسلمين الذين نالوا أسمى الدرجات وأعلى المقامات عند الخلفاء
والملوك، هل أنا في حاجة إلى ذكر فيلسوف الإسلام أبي سيف يعقوب الكندي وهو
بصري الأصل.
أين الأمير إسحاق الذي كان أميرا للمهدي والرشيد على الكوفة
وهو من ذرية الأشعث بن قيس أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان
عالما بالطب والفلسفة والهيئة والحساب والموسيقى واشتغل بالترجمة، كما اشتغل
غيره بها فترجم كثيرا من كتب الفلسفة وأوضح الغامض منها، وكانت له المكانة
العليا عند المأمون والمعتصم وولده أحمد، هل أنا في حاجة إلى ذكر بني موسى بن
شاكر محمد وأحمد والحسن الذين اشتغلوا في مساحة الكرة الأرضية ومعرفة محيطها
وقطرها وما كان لهم من المنزلة عند الأمراء والخلفاء؟ أأذكر ابن سينا ومنزلته في
قومه ووصوله إلى مسند الوزارة عند شمس الدولة؟ أم أذكر الفارابي وما كان له
من المكانة عند سيف الدولة بن حمدان.
لا ريب أن أبا العلاء المعري يصلح أن يكون رجلا ممن تعني الجامعة بنشر
تراجمهم وقد قال ما لم يقل بمثله فولتير وروسو، وقد مات مع ذلك على فراشه
وقبره اليوم مزار يرحل إليه في بلده.
أظن أنه يسهل بعد سرد ما عددناه أن يعرف قراء الجامعة أن الإسلام كان
يوسع صدره للغريب كما يوسعه للقريب بميزان واحد وهو ميزان احترام العلماء
للعلم، ويسهل علي أن ألتمس العذر للجامعة بأنها عندما كتبت ما كتبت تمثلت لها
بعض حوادث قيل: إنها حدثت للدين وما حدثت له، بل كان سبب حدوثها إما سياسة
خرقاء أو جهالة عمياء أو تأريث بعض السفهاء، لا أطيل خوف الإملال وأنتقل
الآن إلى الأمر الثالث وهو المقابلة بين طبيعة الدينين، وهو أهم مما سبق ومما
سيلحق.
* * *
(طبيعة الدين المسيحي وأصوله)
(تمهيد) ظنت الجامعة أن الدين المسيحي فصل بين السلطة الدينية
والسلطة المدنية؛ ولذلك كان في طبيعته التسامح، أما الدين الإسلامي فمن أصوله
أن السلطان ملك وخليفة ديني وذلك مما يصعب معه التسامح في رأيها.
ليس هذا بكاف في بيان طبيعة كل من الدينين واستعدادها للتسامح مع العلم أو
مع أية عقيدة تخالفها بل لا بد من بيان أركان الدين وأهم أصوله التي ترجع إليها
جميع الفروع، وعنها تصدر الآثار الحقيقية.
عند النظر في أي دين للحكم له أو عليه في قضية من القضايا يجب أن يؤخذ