يتردد على المسجد فلا يسمع الحديث الذي يعزف عن أوتار قلبه فصار يسائل نفسه:
أين السيوف التي في كف معتصم ... صالت على البغي من فرس ورومان
فلم تجبني من القعقاع نخوته ... ولم أجد في جموع القوم شيباني
وأخيرا قرر أن يطلق الجامعة ثلاثا لارجعة فيها فانطلق وهويردد:
الرأي رأيك يا مدافع ... فانطقي واحمي الذمار
الشهيد مازن ملوش (أبو عمرو المكي) -مؤذن الجامعةـ:
وهكذا صو ح السكن الجامعي في الكيلو (6) في جدة من شاب رافع الهامة.
تتوج رأسه قبعة أفغانية لا يخلعها في المنزل ولا بين حجرات الدراسة.
وافتقد مسجد السكن ذلك الصوت الندي الشجي الذي كان ينطلق مع انبلاج الفجر, وكأن جدرانه تهمس في أذن السامعين
ناح قيثاري الحزين فحنت ... لصدى النوح قاسيات الصخور
بلبلي ضاق بالنشيد فولى ... وتخلى عن ... عشه المعمور
نعم إن مازنا يقوم الليل ويجاور في الحرم المكي طيلة شهر رمضان, يسمع ترتيل القرآن من فم الحذيفي والسديس وعلي جابر, ولكنه لا يستعذبه تلك العذوبة التي كانت تترك حلاوتها في قلبه أيام إن كان في أرض الجهاد, نعم يتحدث عن الجهاد الأفغاني ولكن شتان شتان بين الأقوال والأفعال.
حقا إنه لا يدع مقاما يقوم فيه لله إلا ويقفه وينكر المنكر, ولكن سورة التوبة تقض عليه مضجعه وتؤرق عليه أجفانه, إن آيات القتال تأبى عليه أن يقعد بين النساء والأطفال, شأنه شأن المقداد بن الأسود عندما رآه أحد التابعين جالسا على تابوت -طاولة- أمام أحد الصر افين في حمص وقد زاد جسمه عن التابوت فسأله مستغربا: ألا تقعد هذا العام? فأجاب المقداد: أبت البحوث (التوبة) أي رفضت سورة التوبة القعود.
الخروج: لقد راع مسؤول قسم التسجيل في جامعة الملك عبد العزيز انسحاب الطلاب وبهذا العدد الملفت, ومما هاله انسحاب مازن من الفصل رغم أنه لم يبق له سوى ساعات قليلة حتى يأخذ شهادة الهندسة فنصحه وجهد في النصح ولكن المحب عن العذال في صمم.
إن قلبه في أفغانستان مع حبيبه الجهاد:
ما بال عينيك قد أزرى بها السهد ... كأنما جال في أجفانها ... الرمد
أمن فراق حبيب كنت تألفه ... قد حال من دونه الأعداء والبعد
في حي النزهة في مكة: واشتاق حي النزهة -الذي ضم هذا الشاب منذ نعومة أظفاره- إلى طلعة هذا الشاب.
لقد كانت ملامحه معروفة لأبناء هذا الحي, فكم من منكر أوقف سيارته ليزيله على يديه, وعرفه الحرم المكي عابدا مجاورا معتكفا وخاصة في أيام رمضان ولربما اعتكف الشهر كله.
حدثني أبو حمزة المؤذن: دخلت ذات ليلة في السحر مسجد السكن لأسبق إلى أذان الفجر فوجدت مازن ملوش قد سبقني إلى المسجد يقوم الليل ينتظر الفجر أن ينداح.
ويواصل أبو حمزة: كان اسم مازن يتردد على ألسنة الطلبة الجامعيين وكان في أعماقي رغبة أن أجمع بين الأسم والصورة حتى رأيته في ذلك ليوم.
كان صامتا ولكن صمته يبذ الناطقين, وفي صدرة مرجل يغلي حسرة على هذا الدين الذي تتناوله معاول الأعداء من كل جانب, ويتناوش أشلاءه الأقارب والأجانب.
كان يحن لصليل السلاح ودوي المدافع ودمدمة الرصاص وهدير الطائرات.
ويتلفت مازن في الأرض فلا يرى شعبا رافع الرأس مشمخر العرنين يناطح السحاب سوى الشعب الأفغاني الأبي.
مجلحين ولا يلوون قد ملئوا ... عزا ودونهم العوصاء والكود
الرخصة: وقبل أن يغادر مازن الجامعة كتب كلمة كانت كلماتها الشهب الحارقة وعلقها على لوحة السكن وأوجرت كلماتها القلوب فتركت فيها مجلا (رملا) من الصعب أن يندمل.