فلقد شاءت إرادة الله أن تحيا الأمم بالنماذج الفذة, وأن تبنى الأمجاد بالقمم, وأن تنصر المبادئ بتضحيات الأفراد الأفذاذ هؤلاء الأفراد يكونون غرباء في مجتمعاتهم ولكن المجتمعات بهم تحفظ وبأمثالهم تنصر وترزق0
هؤلاء الأذكياء لأنهم عرفوا طريقهم إلى الله وإن كان غيرهم يرثي لحالهم ويسخر من تفكيرهم, هم السادة وإن كان أهل الدنيا المحرومون من لذة العيش الحق يردون هؤلاء عن أبوابهم ويدفعونهم من مجالسهم0
هم القادة لأنهم يملكون نياط القلوب ويأسرون الأفئدة بحبهم, وقادة الدنيا هم المنبوذون حقا لأنهم كما قالت أم هارون الرشيد عندما رأت الآلاف المؤلفة تجتمع حول رجل فقالت: من هذا?
قالوا: هذا عبد الله بن المبارك عالم خراسان, فقالت: هؤلاء هم الملوك وليس أمثال هارون الذي لا يستقبل الناس إلا بجنود وشرط0
هم الملوك كما قال ابن المبارك عندما سئل من الملوك? قال: هم الزهاد, فقيل له: فمن السفلة? فقال: هم الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد دينهم0
هم الذين يخطون تاريخ الأمم: لأن صروح المجد لا تبنى إلا بالجماجم والأشلاء, هم الذين يحفظون شجرة هذا الدين من أن تضمحل أو تذوي لأن شجرة هذا الدين لا تروى إلا بالدماء, هم الخالدون بذكرهم في الأرض والسماء: لأن بذكرهم تحيا القلوب وإذا رووا ذكر الله0
وفوق هذا كله جنة عرضها السماوات والأرض تنتظرهم, وحور تشتاق للقائهم وتتحرق للقرب منهم0
هؤلاء هم المجاهدون في سبيل الله يأتون في المرتبة بعد النبيين والصديقين, بل تمنى رسول الله صلى عليه وسلم الشهادة في سبيل الله0
ففي الصحيحين (والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحياء ثم أقتل) وفي الصحيحين لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها.
وفي البخاري: طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة, إن أستأذن لم يؤذن له, وإن شفع لم يشفع 0
وتلاحظ العبارة النبوية الكريمة إن كان في الحراسة كان في الحراسة: أي حيثما أقامه الأمير أقام وحيث أمره أن يبقى لزم مكانه وصبر والأحاديث في فضل المجاهد كثيرة لا نستطيع أن نلم بها في هذه العجالة وقد شهد له الرسول ص بأنه خير الناس: ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ألا أخبركم بالذي يتلوه رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله تعالى فيها ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل بالله ولا يعطي به) رواه مالك والترمذي والنسائي0
هؤلاء يقتلون لتحيا أممهم ويحيون هم أنفسهم هؤلاء عشاق الموت لتوهب لهم الحياة وكما أخبرنا نبينا ص عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة, فلنحن أحب في الموت منكم في الحياة أخرجه البخاري تعليقا 0
هؤلاء يبحثون عن الموت وكما قال ص في صحيح مسلم: (ن خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه 0
ولتلاحظ معي: ممسك بعنان فرسه فهو لا يرخي العنان كناية عن تمام استعداده يطير على متنه: فهو في سرعة استجابته كالطير لا يركض ولا يسرع فقط بل يطير طيرانا 0
كلما سمع هيعة: أي فزعة ترعب الأمة وترهبها فهو يفزع ويسرع ويهرع من أجل أمن الأمة واطمئنانها0
يبتغي الموت مظانه: أي حيثما ظن مكان الموت أسرع اليه ومضى مسرعا يطلب الموت0
ومن هؤلاء إن شاء الله شهداؤنا الذين مضوا بعد أن بلغوا أمتهم ومجتمعهم وأسرهم واجباتهم بالدم لا بالمداد, إن المبادئ أثمن من الحياة وإن العقائد أثمن من الأجساد وإن القيم أعظم من الأرواح0
ورأيت معظم الشهداء الذين عشت معهم تجمعهم صفات على رأسها:
1 - حفظ اللسان عن المسلمين.
2 - سلامة الصدر على المسلمين.
3 - العمل بصمت والبعد عن ضجيج الإعلام.
4 - طاعة الأمير -إن كان في الساقة كان في الساقة-.
5 - قلة النقاش فيما يوجهون إليه.