كانت الجماهير المسلمة المجاهدة تلتهب حماسا ولكن هذا الشاب قد لفت انتباه الجميع وتسمرت العيون نحوه وشد القلوب إليه بما كان يفيض على لسانه وعلى قسمات وجهه من غيرة وحماس.
وعندما تكلمت عن موحد: قال أحمد شاه رئيس حكومة المجاهدين المؤقته أنه فتى ذلك اللقاء التاريخي.
نحو بروان: وأعد موحد قافلته وبدأ يجهزها ولم يرد له أبو الحسن طلبا طمعا منه أن يكون لهذا الشاب دور في توحيد صفوف بروان وانسابت الكلمات على لسان موحد: إن كتب الله لي الشهادة وشفعني في أحد من خلقه فسأقول له: إن أول مسلم اشفع فيه هوأبوالحسن المدني.
القافلة: وسارت قافلة الإيمان ومعها مائتا جمل محملة بكل شي وحاد الركب فتى الفرسان -موحد- وسبقت الأخبار من المنافقين إلى القيادة الشيوعية في كابل وانطلق الطيران محموما يصب جام غضبه على هذه الجمال وبدأ يطاردها بين السفوح والهضاب والوهاد والشعاب.
وبدأت الجمال تتساقط ويتفجر ما عليها من ذخيرة ويحترق ما فوقها من متاع, وموحد يواكب القافلة تحت الحمم المتساقطة والشهب المنقضة ويصر على المواصلة وأخيرا وصل موحد إلى مركز بروان (جاري كار).
أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعلبا
وبدأ نشاطه الجهادي واستلم إمارة المنطقة وبدأ بالتعليم والتوحيد.
محور العمل ومحط الأمل: كان موحد في نظر الجميع قطبا متعادلا لا يمكن أن تلتف حوله القلوب, وأملا أن يجمع الله حوله النفوس وكانت الوحدة بينه وبين القائد شفق (في بجرام) والقائد فتحي وعلى أيدي الإخوة العرب.
وكان يطمع أن يمتد به الأجل حتى ينظف المنطقة من الجواسيس وعيون الدولة المنافقين الذين نجحوا -إلى حد ما- في الإيقاع بين الإخوة المجاهدين وغدت سيارة (الجارود) لا تتوقف عن الحركة ولا تكف عن التنقل تذرع بروان من شرقها إلى غربها والعيون تتابعها أينما سافرت لأنها بإذن الله صارت محط الأمل في لم الصفوف وجمع الكلمة, وكان موحد والجارود عمودين صلبين بارزين في هذه المحاولة التي هي خير من نوافل الصلاة والصيام وهي إصلاح ذات البين, (لأن فساد ذات البين هي الحالقة لاأقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).
واستمر موحد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل معسكره بدأب لايعرف الملل وهمة لاتعرف الكلل, مع محاولة جادة في المنطقة لإزالة الخلافات التي أظهرها المنافقون.
الحتف مع الفتح: وبدأ موحد يعد الخطة لفتح المنطقة المحيطة وإزالة القواعد الشيوعية منها, ولابد أن يقود المعركة بنفسه ففتح ثلاث قواعد وبعد الفتح أصابته قذيفة هاون كانت فيها نفسه ولقي فيها حتفه.
يزدري الأعادي في سماء عجاجة ... أسنته في جانبيها الكواكب فتسفر عنه ... والسيوف ... كأنما ... مضاربها مما انفللن ضرائب
هول النبأ: ونزل النبأ على قلوب المجاهدين سواء في الجبهة أو في خارجها نزول الصاعقة.
فعلق المهندس حكمتيار وهو يتلقى الصدمة بالنبأ المزلزل وقال: ما أحببت أحدا في الدنيا كموحد وددت لو فقدت أبنائي فداء لموحد.
وسرى النبأ سريان النعي في يوم عرس, وتداعت الأحزاب لتأبين الفارس الذي ترجل وتوسد التراب.
صيامه وقيامه: يقول أنس رضي الله عنه: ما كان أبو طلحة يصوم في عهد رسول الله ص فلما توفي رسول الله ما رأيت الدخان في بيته نهارا قط فقد كان أبو طلحة يفطر من أجل الجهاد وإذا كان في المدينة ما كان يفطر.
وهكذا موحد في بيشاور: يقول أبو الحسن المدني: كثيرا ما كان يزورني موحد في بيشاور, وما أذكر أنه ذاق طعاما في بيتي نهارا بسبب الصيام ونام ذات ليلة في بيتي فراقبته فقام من الليل طويلا ثم صلى بنا الصبح فكنت أحس أن القرآن غض طري يفهمه ولومن كان أعجميا.
لم يدخل مدرسة شرعية ولا عربية ومع ذلك فقد كان يتقن العربية ويتكلمها بطلاقة.
هاجر وعمره (31) عاما أيام داود ومنذ ذلك الوقت بدأ مسيرة العرق والدم يتجرع الغصص ويتكبد المرارة وبقي يحمل راية الجهاد حتى سقط في التاسع عشرمن رمضان شهيدا , وقد كان سبب الفتوح أن الشيوعيين أعدوا العدة للإحتفال بالعيد العاشر للثورة في السابع من ثور فآلى على نفسه أن لايسمح لهم بالإحتفال وأن يؤرق عليهم أجفانهم وأن يحرق عليهم بيوتهم, فنسق مع المجاهدين في المنطقة وفتح المراكز المحيطة ولقي الله في رمضان وندعو الله عزوجل أن يجمعنا به مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ومضى موحد وترك على درب اليتم الطويل زوجة وولدا وبنتا يتقلبون بين فكي اليتم والفقر وبين حجري الجوع والنوى.