تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(14) أوجه كثيرة كانت تحملني دائما أن أجزم بأنه من الضروري للمسلمين أن يتفقوا مع الإنكليز في السياسة العامة سواء في ذلك الذين تحت سلطتهم والذين تحت سلطة الدول الأجنبية الأخرى والمستقلون أما الذين تحت سلطتهم فيجب عليهم ذلك لأسباب كثيرة منها أن الإنكليز يطلقون في مستعمراتهم حرية الدين والتعليم والقول والتجارة ويكتفون من الفائدة بأن تكون البلاد سوقا لتجارتهم ومجالا لارتفاقاتهم المالية ولا شيء أنفع وأجدى على الإسلام من هذه الحرية التي لا توقف نموه الطبيعي ولا يخشى عليه أكثر من وقوف القوة أمام ذلك النمو ومنها أنه يمكن للأمة الإسلامية إذا ارتقت أن تخلص من نير الإنكليز بالاتفاق أو بالقوة؛ إذ قوة الإنكليز البرية ضعيفة وقد صعب عليهم أن يخضعوا ثلاثمائة ألف من البوبر أخيرا فكيف يخضعون ثلاثمائة مليون إذا أصبحوا مثل البوير ومنها أنه إذا لم يكن الإنكليز بين ظهرانيهم فلا بد أن يكون غيرهم من الأمم الأجنبية إذ الضعف الذي هو علة تسلط أولئك لم يفارقهم فإن تسلطت عليهم دول أخرى كالروسيا في آسيا أو ألمانيا وفرنسا في أفريقيا ودهمتهم بما عندها من الجند الذين لا يقلون عن خمسة عشر مليونا فقل على المسلمين السلام على أنها إذا لم تنكل بهم فإنها تسد أبواب الحرية الدينية والسياسية في أوجههم هذه تونس أبطل منها الحج والجزائر لا تدخلها جريدة إسلامية حرة كالمؤيد وتركستان لا يقرأ في مدارسها آي الجهاد من كتاب الله، وجاوه أصبح المسلمون فيها من الضغط والإهانة في مرتبة الحيوان الأعجم وأما المسلمون الذين تحت سلطة الدول الأخرى - فللأسباب المتقدمة جميعها؛ ولأن مصلحة الإنكليز في خلاصهم من يد تلك الدول وهي أقدر الناس على هذا في الحقيقة إذ هذه الدول (ما عدا الروسيا) لا تصل إلى ممالك الإسلام إلا من طريق البحر ومفاتح البحر في أيدي الإنكليز وأما المسلمون المستقلون فيجب عليهم الاتفاق مع الإنكليز أيضا لأوجه منها أن مصلحة الإنكليز تفضل بقاء هذه الممالك مستقلة غير محكومة بدولة أجنبية وذلك؛ لأن روح هذه الأمة التجارة ومادامت الممالك الإسلامية مستقلة فأبواب التجارة مفتوحة وطريقها مأمونة فإن احتلتها دولة أجنبية فهناك المخافة والخطر، ولهذا السب كان الإنكليز أحرص الناس على مساعدة هذه الممالك على التقدم والنجاح والبقاء، ومن رأى مخاطبات السير ليارد سفير إنكلترا للباب العالي بعد الحرب الروسية وجد غيرة كبيرة على مستقبل الدولة أما استيلاء الإنكليز أنفسهم على بعض الممالك الإسلامية فهو في الغالب لتحققهم وشك وقوعها في أيدي غيرهم إن لم يسبقوا إليها، على أنه لولا دماء الإنكليز وأموالهم لاستولى الروس على القسطنطينية وعلى العجم والأفغان، وملكت فرنسا مراكش والطليان طرابلس وهكذا، ومن هذه الأسباب يعلم أن الممالك الإسلامية محتاجة في كل وقت إلى عضد قوي تنقي به أوربا والإنكليز هم أولى الناس بهذا إذ تجمعهم مع الأمة الإسلامية كراهية أوربا للفريقين وكراهتهما لها هذه هي أفكاري في هذا الموضوع ولولا أن هذه المسألة جوهرية بالنسبة إلى مستقبل الإسلام لما احتجت للتعرض لها في هذا المقام، اه لمؤلف الرسالة.</span></span></span></span></span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٢٣