تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسمعها فتمر عليه مر الخيال الساري - ثم يدخل في سنته الثانية وهو على هذه

الحال فيأكل أيامها وهو بالحيرة والذهول لقصور ذهنه عن إدراك أي شيء مما

يسمع أو يقرأ. وكثيرا ما يلحق الطالب أو أهله القنوط من النجاح فيخرج من هناك

ليحترف. ولا كتب يحضرها في سنته الثانية على الغالب إلا ما أمضى فيها سنته

الأولى وسيره فيها لا يتميز عن السنة الفائتة إلا بكونه وصل إلى أن يعرب جملا

بسيطة معلومة حفظ إعرابها حفظا على غير فهم ولا تفكر. ويعرف بعض أسماء

الأئمة وشيء من الاصطلاحات الفقهية في الفقه.

ثم يتدرج من هاتين السنتين إلى السنة الثالثة، وفي أولها يكون قد أثر في ذهنه

كثرة ما يرد عليه من تعقيد الجمل وتشويش العبارات تأثيرا يحمله على الجلد والتصبر

على تلك الأساليب، وربما فهم إذ ذاك بعض الجمل بعد أن ينصب نفسه ويتعب فكره

كل التعب وينتقل حينئذ من الكفراوي إلى كتاب يسمونه (الشيخ خالد) وهو كتاب

أصغر في الحجم من الكفراوي وأسهل منه عبارة، ولكن يظهر أن سهولته لم ترق

للأشياخ هناك فانبرى له بعضهم وعلق عليه حواشي من المفروض على الطالب

الأزهري أن يكد ذهنه في فهمها ولم أر - علم الله - كتابا يكد الفكر ويتعب القارئ في

فهم عباراته المشوشة المضطربة مثل ذلك الكتاب. ويقابل هذا بكتاب من الفقه في

هذه السنة كتاب (الطائي) أخو تلك الحاشية في فساد العبارة وسماجتها وقبح

تحريرها ركب به مؤلفه أسلوبا لم أر ما يشاكله في كل ما وقع لي من مؤلفات العرب

فهو يحذف ما يلزم إثباته ويكتب ما من حقه الحذف ويؤخر ما له التقديم، ويقدم ما

من شأنه التأخير.

وأعجل إليك قبل أن أرتقي إلى ذكر الكتب الفقهية الكبيرة ببيان أن هذا

الطالب الضعيف يفاجأ في هذه المدة بتلك الأبواب الطويلة المحشوة بالخلاف

وتضارب آراء الأئمة فيما لا يعود بأقل فائدة على التلميذ، ولا ينتظر أن تكون منه

فائدة لغيره مثل أبواب العتق والرق، إلخ. وهناك أبواب أخرى فتحها نافع ولكن

توسعتها ضارة؛ لأن مؤلفي تلك الكتب خرجوا بها عن دائرة التشريع إلى بيداء

واسعة من الخيال المحض فلا تكاد تنظر في باب من أبواب الطلاق مثلا حتى ترى

الكثير من الصور الغريبة النائية عما يقصد الشرع في كتاب الله الحكيم وسنة نبيه

صلى الله عليه وسلم وما جرى عليه أصحابه وأئمة السلف في الصدر الأول من

الإسلام.

على ما قدمت ينتهي التلميذ من دوره الأول، ولو أتي بغلام سليم الفطرة إلى

معلم حكيم في التعليم وأخذ يملي عليه كل يوم قليلا من النحو والفقه ويفهمه إياه حق

التفهيم لبلغ في ثلاثة شهور من التحصيل إلى أضعاف ما يبلغه طالب الأزهر في

ثلاث سنوات.

الدورالثاني: إذا خرج الطالب من هذا الدور وهو على ما مر بك وأخذ

يدخل في الدور الثاني كان أول شيء يبدأ به أن يضم إلى درسي النحو والفقه درسا

أو درسين في التوحيد أو المنطق أو البلاغة أو العروض، واختيار الطالب أي فن

من هذه الفنون أمر موكول إلى المصادفات التي تسوقه إلى أي فن منها، وكثير من

الطلبة لا يمد عينيه إلى تلك العلوم إلا بعد مضي ست سنوات، ولا أريد أن أذكر لك

الآن ما هي هذه الكتب وما يستفيده الطالب منها، بل أدع ذلك لفرصة أخرى وآتي

لك قبل ذلك على وصف ما يشغل به من الكتب في العلمين الأصليين عندهم الفقه

والنحو.

وأول كتاب يفتحون به السنة الرابعة في الفقه كتاب يقال له: (منلا مسكين)

يقضي فيه الطالب على الغالب سنتين، ومنلا مسكين هذا كسائر ما تقدم من

الكتب محشو بالخلافات على غير جدوى والتعمق في فروع تنقضي الأعمار، ولا

تقع، ولا يحتاج إليها، غير أنه يمتاز عن تلك الكتب بالخطأ فيما يورده من تقول

أئمة المذاهب الأخرى في معترض الرد عليهم وتزييف أقوالهم، وهو ما لا يكاد

يخلو منه كتاب أو باب من الأبواب. بعد أن يتمم المسكين (منلا مسكين) يأخذ في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٩٦