منشأ التكوين. وهم متفقون على أن الوجود المطلق قديم وأن العدم المطلق لا حقيقة
له ولا يتصوره العقل وأنه لا يحدث شيء من لا شيء. فالفلاسفة والمتفلسفون
يحسبون أن هذه المسائل القطعية لا تنطبق على الأديان وإن سماوية، ونحن نقول:
إنها هي التي جرى عليها القرآن وقررها الإسلام فليس في كتاب الله تعالى آية تدل
على أن الوجود الحقيقي صدر عن العدم الخيالي، بل قال: {وخلق كل شيء فقدره
تقديرا} (الفرقان: 2) والخلق لغة: الترتيب وهو لا يكون في العدم، بل قال:
﴿أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما﴾ (الأنبياء:
30) وقال: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو
كرها قالتا أتينا طائعين} (فصلت: 11) وحل المسألة بطريقة إسلامية أن هذا
الوجود الذي نشاهده كله ممكن حادث، وأنه صدر عن وجود واجب قديم لا تعرف
حقيقته ولا كيفية صدوره عنه، وإنما قام البرهان بأنه صدر بإرادة وقدرة وعلم
وحكمة. وذلك ما ذكرناه من وحدة النظام والإحكام وإطراد النواميس والسنن.
***
دعوى كتابة النبي بالتركية
(س2) ومنه: قال الفاضل المرجاني القزاني صاحب (ناظورة الحق) في
رسالته (مستفاد الأخبار) : إن حديث أبي هريرة المذكور في أسد الغابة المطبوع
بمصر القاهرة (ج4 ص140) وقع فيه عدة أغلاط وقت طبعه، والصواب ما في
النسخة الخطية في زمان قريب من عصر المؤلف ابن الأثير رضي الله عنه. وهو
هكذا: (وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لعمير ومن معه كتابا تركيا ذكره.
فإن رواته نقلوه بألفاظ عربية، وبدلوها وصحفوها تركناها لذلك) . ولما لم يكن
لدينا نسخة أخرى سوى المطبوعة المذكورة لنقابلها رجونا من حضرتكم مقابلة
النسخة المطبوعة مع الأصول المصححة خدمة للعلم والدين، ثم بيانه إلينا لنكون
على بصيرة من ذلك وأجركم على الله.
ج لم يكن التحريف والتبديل في النسخة المطبوعة وإنما كانا في رسالة
الفاضل القزاني (مستفاد الأخبار) فإن ما كتبه عن النسخة الخطية هو عين ما في
النسخة المطبوعة إلا أنه صحف لفظ (تركنا ذكره) بقوله: (تركيا ذكره) ولفظ
(غريبة) بلفظ (عربية) فكان التبديل والتحريف من هذا التصحيف، وسببه أن
النسخة الخطية التي رآها غير منقوطة فأوقعت الفاضل فيما رأيت. وما كان لمثله
أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يكتب لقوم من العرب كتابا تركيا، فإن جاز
أن يعرف هو التركية من طريق المعجزة فمن أين لعمير وقومه بني أسلم علم ذلك؟
وما هو الداعي إلى مخاطبة العرب بلسان العجم؟ ثم ما كان لمثله أن يخفى عليه أن
كلمة (ذكره) بعد كلمة (تركيا) لا معنى لها، ولكن معناها ظاهر إذا كانت
الكلمة (تركنا) وهو أن المصنف ترك ذكر الحديث لوقوع التحريف فيه،
وسبب التحريف وجود الألفاظ الغريبة التي لم يفهمهما رواته.
أما عبارة الكتاب فهي كما في ترجمة عمير بن أقصى الأسلمي: روى أبو
هريرة قال: قدم عمير بن أقصى في عصابة من أسلم فقالوا: يا رسول الله إنا من
أرومة العرب نكافئ العدو بأسنة حداد، وأذرع شداد، ومن ناوأنا أوردناه السامة،
وذكر حديثا طويلا في فضل الأنصار، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب
لعمير ومن معه كتابا تركنا ذكره، فإن رواته نقلوه بألفاظ غريبة وبدلوها وصحفوها
تركناها لذلك أخرجه أبو موسى. اه
وقد قابلنا النسخة المطبوعة بنسخة خطية في مكتبة الحكومة
المصرية كتبت في سنة 722 أي بعد وفاة ابن الأثير بأقل من قرن فألفيناها
مطابقة لها.
***
السلام على غير المسلم
(س3) الشيخ بسطويسي بركات بالمحلة الكبرى: قال الله تعالى: {وإذا
حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} (النساء: 86) وقال تعالى: {ولا
تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} (النساء: 94) وقال: {يا أيها الذين
آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} (النور:27)