تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المذهبة المباركة باللبن والعسل) وليس يخطئ قائل لنا: إن نغمات المظفرين

وأغاني المخلفين التي نجدها في مكاشفات يوحنا تذكرنا بأن غاية المسيحي من إيمانه

وأمله المطلوب من عبادته أن يصل إلى جنة نعيمه فيها أن يأكل ويشرب ويسكر

ويغني كما نرى من عمله في هذه الدنيا أيام الأعياد المشهورة، على أننا نأول ذلك كله

ونصرفه عن ظاهره، ونحمل كل لفظ وجد لمعنى محسوس على سر معقول.

وإن العرفاء من المسلمين يعتقدون بأن لهم نعيما روحانيا يتعالى إلى غير

النهاية عن النعيم الجسداني، ولسنا نكابر كما يكابر القسيس (مكول) ونحكم بأن

المسلم لا مطمح له في أخراه إلا الأكل والشرب وقضاء شهوات أخر، وقد ذكر في

القرآن في سورة القيامة من جزاء المؤمنين أن تكون وجوههم يوم القيامة ناضرة إلى

ربها ناظرة، وفي الأحاديث عندهم ما يدل على ذلك ففيها عن نبيهم (صلى الله

عليه وسلم) ما معناه أن أعظم فوز يفوز به العبد في الآخرة هو لقاء ربه في الغدو

والآصال وهو نعيم يفوق كل نعيم كما يفوق البحر قطرات العرق، وفي حديث آخر

أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر. وفي آخر ما يشبه المعروف

عندنا (إن الله قد أعد للمؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب

بشر) .

وإن في عقائد المحمديين أن رضوان الله أكبر من كل نعيم، فإن وافقنا المسلم

على أن جنة جسدانية لا تليق أن تكون جزاء المؤمن في الآخرة؛ أفلا يجوز له أن

يؤول ما ورد في كتابه من ذلك كما وردت عبارة النشيد وعبارات المكاشفات

والتأويل عليه أسهل منه علينا فإن عنده في كتابه ما يشير إلى أن بعض ما نص الله

لهم من الكتاب لا يؤخذ على ظاهره، وله في السنة ما معناه: ليس في الجنة شيء مما

في الدنيا إلا الأسماء لنا نحن. فلم يذكر لنا في المكاشفات ما يسوغ التأويل أو يشير

إلى أن ما جاء فيها من الأوصاف ضرب من التمثيل؛ لأن صاحب الكتاب يصرح

لنا بأن ما فيه من الأقوال حق لا ريبة فيه كما هو مذكور، فللمحمديين حق إن

طلبوا الجنة الروحانية واللذائذ السامية العقلية، وهم مؤمنون بكتابهم، ويرون أن هذا

المطلب عليهم أيسر منه على كثير من غيرهم، وإني أحسب من الظلم الفاحش أنا لا

نسوغ للمسلمين سلوك طريق من التفسير لم نزل نسلكه في إيضاح غوامض

كتابنا المقدس.

... ... ... ... ... ... ... ... ... إسحاق طيلر

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٩