تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تمر في الشوارع على حريتها الأولى. وحصل لذلك شغب عظيم اضطر الحكومة

أن تسمح بذلك مع صدور الأمر بأن توضع في أعناقها أجراس. وقالوا إن الملك

فيليب السمين مات بسقطة عن فرسه عندما انزعج الفرس من منظر خنزير

وصلصلة الجرس في عنقه.

لقائل أن يقول: إن القسوس في ذلك الزمان كان يمكنهم أن يمتنعوا من وضع

الأجراس في أعناق الخنازير، فرضاهم بذلك يعد تسامحا عظيما مع العلم (أو

الصناعة) ويسهل علي أن أوافقه على أن مثل هذا الضرب من التسامح في أجراس

الخنازير كان يظهر من حين إلى حين إلا أنه فيما أظن لا يكفي في تشييد هذه

المدنية التي يفتخر بها الأوربيون اليوم ونحن لا ننجسها قدرها كذلك.

السبب الثاني الضغط الديني: شدة الحاجة وغلو الرؤساء كانا يوقدان الغيرة

في قلوب طلاب العلوم فلم تفتر لهم همة فعظم أمرهم واكتشفوا كثيرا من الحقائق

التي نفعت العامة، وتنبهت العقول للأخذ بما يهدون عليه وصارت الحرب بينهم وبين

رؤساء الدين سجالا إلى أن ظهر دعاة الإصلاح الديني (البروتستانت) فانضم دعاة

العلم إليهم ظنا منهم أن سيكونون معهم من المجاهدين في سبيل العلم. وكان منهم

إيراسم الشهير فلما انتصر طلاب الإصلاح ودالت لهم دولة استمروا يعاقبون بالموت

على الأفكار التي تخالف ظاهر ما يعتقدون كما تقدم، فانفصل إيراسم ومن معه من

حماة الحرية واستقلال الإرادة الشخصية، وترك المصلحين يتفرقون شيعا ويقتل

بعضهم بعضا وقال: ما كنت أظن أن دعاة الإصلاح يكونون كذلك أعداء العلم.

هذه الطوائف التي تفرقت عقائدها في الإصلاح لم تنتظر إلا أن تأمن عدوها

العام وهو الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فلما أمنتها أخذ بعضها يصول على بعض

واشتعلت نيران الحروب بينهم. قال أحد أفاضل مؤرخيهم:

(وكلما ارتفعت طائفة منهم إلى عرش القوة لوثت يديها بالجرائم وفي العمل

لإفناء البقية حتى سئمت النفوس دوام تلك الحال، ووجدت من توالي حوادث

الانتقام وظهور مضاره في كل طائفة أن الفضل لكل طائفة أن تمنح الأخرى من

الحرية ما لا تستغني عنه واحدة منها. والعلم كان يعمل عمله في كشف الحقائق

وترقية الآداب وكان من أقوى المنبهات إلى مضار الحروب ومفاسد العدوان على

حرية الأشخاص من أي طائفة كانت. من هذا نشأ ذلك الأصل العظيم أصل

التسامح والرضى بمجاورة المخالف في الرأي. نشأ من القهر والقسوة التي كانت كل

طائفة تعامل بها الأخرى) انتهى كلام المؤرخ بالمعنى.

السبب الثالث: الثورة: ولا حاجة بي إلى ذكر ما جاءت به الثورة الفرنسية

وكيف كانت قيامتها على الدين ورؤسائه مما هو معلوم. وإنما أنبه القارئ إلى

الاعتبار بما تقدم من القول، وبما يمكنه أن يقف عليه في كتب القوم، ليعلم أن

الدين المسيحي في أوربا لم يحتمل العلم فضلا وكرما وإنما قويت عليه أحزاب العلم

فساموه استكانة وخضوعا، ولو شاء أن يحتمل لم يستطع إلى ذلك سبيلا.

السبب الرابع: ترك المسيحية: رؤساء الدين المسيحي رجال ذوو عزيمة

وإقدام قلما يدانيهم فيها رؤساء دين من الأديان. وهم مع غلوهم في الدين واشتدادهم

في استعمال سلطانهم على النفوس كانوا ولا يزالون يتخذون كل وسيلة لتأييد دينهم.

وهم أشد الناس حرصا على تقويم أركانه ودفع الشبه عنه ولم يزدهر العلم الجديد

إلا وسائل وسبلا لترويج عقائده وآدابه، ولم تفتر لهم همة في نشره وتزيينه للقلوب.

ومع ذلك كله نرى أن رجال العلم وحماة المدنية يتسللون منه، والعامة من الشعوب

في تخاذل عنه، والأمة الفرنسية التي كانت تدعى بنت الكنيسة أصبحت من أشد

الناس عليه، ورأت فلسفتها أن تحدد حرية أهل الدين في تعاليمهم واجتماعهم. كل

ذلك ومدارس اللاهوت لا تزال عامرة وطلاب اللاهوت يعدون بالألوف. كل ذلك

وكثير من الدول ترى من مزاياها حماية الدين المسيحي في أقطار الأرض. قال

أحد رؤساء البروتستانت في خطبة من خطبه التي ألقاها في بعض البلاد الفرنسية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٨٣