الأحكام وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع
الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته
لربه أو ينازعه في طريق نظره.
***
(الأصل الخامس للإسلام حماية الدعوة لمنع الفتنة عن المسلمين)
قالوا: إن الدين الإسلامي دين جهادي شرع فيه القتال، ولم يكن شرع في الدين
المسيحي، ففي طبيعة الدين الشدة على من يخالفه وليس فيها ذلك الصبر والاحتمال
اللذان تقضي بهما شريعة المسالمة وهي الشريعة التي وردت في كثير من الوصايا
المسيحية (من ضربك على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن، من سخرك ميلا
فسر معه ميلين) ونحو ذلك، حتى لقد طلبت فيها محبة الأعداء وإن كانت محبة
العدو مما لا يدخل تحت الاختيار بل ولا محبة الصديق وإنما الاختياري العدل بين
الأعداء والأولياء لكن في ملكوت الله كل شيء مستطاع ولا شيء فيه بمستحيل،
قلنا: لكن انظروا هل دفع الشر بالشر عند القدرة عليه وعند عدم التمكن من سواه
خاص بالدين الإسلامي أو هو في طبيعة كل قادر يعذر إلى خصمه؟ ليس القتل في
طبيعة الإسلام بل في طبيعته العفو والمسامحة: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض
عن الجاهلين} (الأعراف: 199) ، ولكن القتال فيه لرد اعتداء المعتدين على
الحق وأهله إلى أن يأمن شرهم ويضمن السلامة من غوائلهم، ولم يكن ذلك للإكراه
على الدين ولا للانتقام من مخالفيه ولهذا لا تسمع في تاريخ الفتوح الإسلامية، ما
تسمعه في الحروب المسيحية، عندما اقتدر أصحاب (شريعة المسالمة) على
محاربة غيرهم من قتل الشيوخ والنساء والأطفال.
لم تقع حرب إسلامية بقصد الإبادة كما وقع كثير من الحروب بهذا القصد
بأيدي المسيحيين، وإنما كان الصبر والمسالمة دينا عندما كانت القدرة والقوة تعوزان
الدين، وغاية ما يقال: إن العناية الإلهية منحت الإسلام في الزمن القصير من
القوة على مدافعة أعدائه ما لم تمنحه لغيره في الزمن الطويل، فتيسر له في شبيبته
ما لم يتيسر لغيره إلا في كهولته أو شيخوخته.
***
(مقابلة بين الإسلام الحربي والمسيحية السلمية)
الإسلام الحربي كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض تحت سلطانه ثم يترك
الناس وما كانوا عليه من الدين يؤدون ما يجب عليهم في اعتقادهم كما شاء ذلك
الاعتقاد، وإنما يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عونا على صيانتهم والمحافظة على
أمنهم في ديارهم وهم في عقائدهم وعباداتهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار لا يضايقون
في عمل ولا يضامون في معاملة خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام
العباد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديار لمجرد العبادة كما كانوا
يصونهم باحترام دماء النساء والأطفال، وكل من لم يعن على القتال، جاءت السنة
المتواترة بالنهي عن إيذاء أهل الذمة وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين
(لهم ما لنا وعليهم ما علينا) و (من آذى ذميا فليس منا) واستمر العمل على
ذلك ما استمرت قوة الإسلام، ولست أبالي إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه
الأحكام، عند ما بدأ الضعف في الإسلام - وضيق الصدر من طبع الضعيف فذلك
مما لا يلصق بطبيعته، ولا يخلط بطينته.
المسيحية السلمية كانت ترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها
تراقب أعمال أهله وتخصصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر
مهما عظم، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم بعد العجز عن إخراجهم من دينهم
وتعميدهم أجلتهم عن ديارهم، وغسلت الديار من آثارهم، كما حصل ويحصل في
كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا، لا يمنع غير المسيحي من
تعدي المسيحي إلا كثرة العدد، أو شدة العضد، كما شاهد التاريخ وكما يشهد كاتبوه،
ذلك كله؛ لأنه ما جاء ليلقي سلاما بل سيفا؛ ولأنه جاء ليفرق بين البنت وأمها
والابن وأبيه [9] والإسلام يقول كتابه في شأن الوالدين: {وإن جاهداك على أن