عجز عن إنجاء الناس بدون أن يهين ذاته العلية بالحلول في أحدهم وبالتألم وبلعن
نفسه.
المسلمون يعتقدون أن الإيمان يهذب الأخلاق ويصلح الأعمال، وأنه يجوز مع
ذلك أن تغلب على شهوته أو غضبه فيعمل شرا لا سيما إذا لم يترب على أعمال
الإيمان من النشأة الأولى ولكنه يرجع ويتوب عن قريب قال تعالى: {إن الذين
اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (الأعراف: 201)
وقال سبحانه: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من
قريب فأولئك يتوب الله عليهم} (النساء: 17) ومن التوبة أن يعمل صالحا
يكفر سيئته ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: 114) فإذا قصر فهو تحت
مشيئة الله.
فتبين مما ذكرنا بالاختصار أن الإيمان عند المسلمين يثمر الأعمال الصالحة
وأن العمل لا قيمة له في إيمان النصارى، أما قول مجلة بشائر السلام في نتيجة
الاعتراض الأول: (وبناء على ما تقدم كل إيمان لا يكون الكمال غايته والتقوى
ثمرته فهو إما إيمان كاذب بالإله الحق كإيمان النصارى بالاسم واليهود بالاسم أو
إيمان صادق لكنه بإله باطل خيالي قائم على الأوهام) فهو مسلم ولقد أنصفت فيما
كتبت عن إيمان النصارى ولم يكن من شأنها ذلك فإن إيمانهم ليس إلا أسماء سموها
وأقوالا لا تعدو الفم؛ لأن العقل ينكرها، ولا يستطيع أن يتصورها.
وأما قولها بعد ذلك: (وأظنك لم تنس ذكر القوم الذين هم على الإسلام بالإجماع
وهم مع ذلك من أهل العصيان والفجور بحيث يحكم عليهم بالسجن في جهنم مدة لا
تنقص عن تسعمائة سنة ولا تزيد عن سبعة آلاف) إلخ، فهذا التحديد فيه لم يصح
في كتاب ولا سنة فهو لا يعتد به عند المسلمين، وإن ذكر في بعض الكتب فكم في
الكتب من أحاديث موضوعة وأقوال مكذوبة، ولا حجة علينا إلا في القرآن
الكريم والأحاديث الصحيحة، وأما كلام المؤلفين في أمور الآخرة فلا يعتد به ما لم
يكن منقولا على أنه لا يجب الإيمان فيما يتعلق بعالم الغيب كأحوال الآخرة إلا
بالقرآن والأحاديث المتواترة وهي قليلة جدا، وهذا الذي قلناه هو الأصل المعمول عليه عند المسلمين.
وأما قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (مريم: 71) فليس خطابا
للمسلمين كما زعم الكاتب؛ لأن الآيات التي قبلها كلها في الكفار فقيل: إن الخطاب
لهم خاصة. وقيل: إنه عام. والمراد بورود المؤمنين حينئذ المرور عليها والجثو
عندها قبل دخول الجنة وبذلك يعرفون مقدار نعمة الله تعالى عليهم بدخول الجنة.
(كلمتان) أختم هذا الرد بكلمتين أولاهما للسلمين الذين يرسلون إلينا هذه الجرائد لنرد عليها: لا يحزنكم أيها المسلمون هذا الاعتداء الذي لم تعتادوه، ولا تعدوه من سيئات حرية المطبوعات فهو من حسناتها؛ لأن هذا الاعتداء على الطعن بدينكم هو الذي يوقظكم من نومكم ويبعث فيكم شعور البحث والاستدلال
ويحيي فيكم روح الغيرة الملية والمباراة القومية حتى تعرفوا حقائق دينكم
بالبراهين والدلائل، والبحث لا يزيد الحق إلا ظهورا.
والكلمة الثانية للنصارى المعترضين، الذين يسمون أنفسهم مبشرين , وهي:
إننا نعتقد أنكم تطعنون بدين الإسلام الذي لولاه لا يثبت دين في هذا العصر المنير
مأجورين لا معتقدين بما تقولون وما تكتبون، ولذلك يترك أحدكم التبشير إذا عزل
من الجمعية ومنع عنه الراتب الذي كان له، ولو كنتم تعتقدون بالدين لعلمتم أن دين
الله واحد وهو تنزيه الباري وتوحيده والإخلاص في عبادته وترك الشرور وعمل
البر ونفع العباد، وكنتم ترون أن الإسلام قد خدم العالم الإنساني بهذا الإصلاح
المنقح وأنه هو دين الأنبياء أجمعين ظهر في أكمل ارتقاء وأخرج أهل الكتاب من
الخلاف والمشكلات ولكن الهوى يصدكم عن هذا فاعملوا على مكانتكم إنا عاملون،
وانتظروا إنا منتظرون.
-----------------
<span class="footnote">