تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتسنى لباحث بأدنى نظر أن يعرف أنها كانت حروبا سياسية ويبرهن على ذلك

بالولاء المتمكن بين الحكومتين اليوم مع بقاء الاختلاف في العقيدة وبين الحكومة

العثمانية وابن الرشيد أمير الوهابيين.

أما الحروب الداخلية التي حدثت بعد استقرار الخلافة في بني العباس

وأضعفت الأمة وفرقت الكلمة فهي حروب منشأها طمع الحكام وفساد أهوائهم وحبهم

الاستئثار بالسلطان دون سواهم ومصدر ذلك كله جهلهم بدينهم وارتخاء حبل التمسك

به في أيديهم، وأكبر داء دخل على المسلمين في هممهم وعقولهم إنما دخل عليهم

بسبب استيلاء الجهلة على حكومتهم.

أقول: (الجهلة) وأريد أهل الخشونة والغطرسة الذين لم يهذبهم الإسلام ولم

يكن لعقائده تمكن من قلوبهم، ولو رزق الله المسلمين حاكما يعرف دينه ويأخذهم

بأحكامه لرأيتهم قد نهضوا والقرآن الكريم في إحدى اليدين، وما قرر الأولون وما

اكتشف الآخرون في اليد الأخرى ذاك لآخرتهم وهذا لدنياهم وساروا يزاحمون

الأوربيين فيزحمونهم.

ما لنا وللحكام نعرض لهم؟ الذي علي أن أقول ولا أخشى منازعا: إنه لم

تقع حرب معروفة بين المسلمين للحمل على عقيدة من العقائد أو على تركها، على

أن هذا الأمر الذي جاءت به الجامعة، وألجأتنا إلى الكلام فيه خارج عن الموضوع

بالمرة؛ لأن الكلام في التسامح الديني مع العلم، لا فى تسامح عقيدة مع عقيدة أو

دين مع دين وإلا لأوردنا لها من حروب الطوائف المسيحية بعضها مع بعض

وحروبها مع غيرها ما يستغرق أجزاء الجامعة بقية هذه السنة إذا أوجزنا ما

استطعنا، هل أذكرها بما كان يقع في القسطنطينية من سفك الدماء بين

الأرثوذوكس والكاثوليك على عهد القياصرة الرومانيين؟ هل أذكرها بحادثة

برتملي سنتهلير التي سفك فيها الكاثوليك دماء إخوانهم البروتستانت وأخذوهم في

بيوتهم على غرة وقتلوهم نساء ورجالا وأطفالا، بماذا أذكر الجامعة من أمثال هذه

الوقائع التي اسود لها لباس الإنسانية، وتسلبت لحدوثها البشرية؟ هل يمكن لأحد

أن يروي حادثة مثلها وقعت بين شعوب المسلمين بعضهم مع بعض لخلاف في

العقيدة مهما عظم الاختلاف.

* * *

(تساهل المسلمين مع أهل العلم والنظر من كل ملة)

ثم أرجع إلى الأمر الأول من الأمور الأربعة؛ لأن الكلام عليه أقل منه على

الأمر الثالث، وإنني لا أستدل على رعاية الإسلام للحكماء من الملل غيرالمسلمة

بقول كاتب مسلم، وإنما أرجع في جميع ما أذكر إلى كتب المؤرخين والفلاسفة من

المسيحيين وأذكر أسماء جماعة من المسيحيين وغيرهم بلغوا من الحظوة عند

الخلفاء وعامة المسلمين وخاصتهم ما لم يبلغه غيرهم قال المستر دراير أحد

المؤرخين وكبار الفلاسفة من الأمريكان: (إن المسلمين الأولين في زمن الخلفاء

لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على

مجرد الاحترام، بل فوضوا إليهم كثيرا من الأعمال الجسام، ورقوهم إلى المناصب

في الدولة حتى إن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة حنا مسنيه)

(هو يوحنا بن ماسويه الشهير) وقال في موضع آخر: (كانت إدارة المدارس

مفوضة مع نبل الرأي وسعة الفكر من الخلفاء إلى النسطوريين تارة وإلى اليهود تارة

أخرى، لم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم ولا إلى الدين الذي ولد فيه

بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة.

قال الخليفة العباسي الأكبر المأمون: (إن الحكماء هم صفوة الله من خلقه

ونخبته من عباده؛ لأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة وارتفعوا

بقواهم عن دنس الطبيعة وهم ضياء العالم وهم واضعو قوانينه ولولاهم لسقط العالم في

الجهل والبربرية) .

وقال في موضع آخر: (إن العرب قد زحفوا بجيش من أطبائهم اليهود

ومؤدبي أولادهم من النسطوريين ففتحوا من مملكة العلم والفلسفة ما أتوا على حدوده

بأسرع مما أتوا على حدود مملكة الرومانيين) . ولست في حاجة إلى ذكر ما أسس

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٠٠