(إعجاز المسيح) على علماء الحرمين والشام والروم ما نصه:
(ثم لما بلغ كتابي صاحب المنار، وبلغه معه بعض المكاتيب للاستفسار، ما
اجتنى ثمرة من ثمار ذلك الكلام، وما انتفع بمعرفة من معارفه العظام، ومال إلى
الكلم والإيذاء بالأقلام، كما هو عادة الحاسدين والمستكبرين من الأنام، وطفق يؤذي
ويزري غير وان في الإزراء والالتطام، ولا لاو إلى الكرم والإكرام، كما هو سيرة
الكرام وعمد أن يؤلمني ويفضحني في أعين العوام كالأنعام، فسقط من المنار الرفيع
وألقى وجوده في الآلام، ووطئني كالحصى، واستوقد نار الفتن وحضى، وقال ما
قال وما أمعن كأولي النهى، وأخلد إلى الأرض وما استشرف كأولي التقى، وخر
بعدما علا وإن الخرور شيء عظيم فما بال الذي من المنار هوى، واشترى الضلالة
وما اهتدى أم له في البراعة يد طولى، سيهزم فلا يرى، نبأ من الله الذي يعلم السر
وأخفى.
ثم قال: (وكنت رجوت أن أجد عندك نصرتي، فقمت لتندد بهواني وذلتي،
وتوقعت أن يصلني منك تكبير التصديق والتقديس، فأسمعتني أصوات النواقيس
وظننت أن أرضك أحسن المراكز، فجرحتني كاللاكز والواكز، وذكرتني بالنوش
والنهش والسبعية، نبذا من أيام الخصائل الفرعونية، ولست في هذا القول كالمتندم،
فإن الفضل للمتقدم، وكنت أتوقع أن يتسرى بمواخاتك همي، ويرفض بجندك كتيبة
غمي، فالأسف كل الأسف أن الفراسة أخطأت، أي: فلم يصدق عليه حديث (اتقوا
فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) ؛ لأنه ينظر بظلمة غروره والروية ما تحققت
ووجدت بالمعنى المنعكس رياك (وهنا إشارة قبيحة تليق بقائلها ولا تليق بنزاهة من
يصطفيهم الله تعالى لهداية خلقه) فهذه نموذج بعض مزاياك، (أنث النموذج
وكم كنت مذكرا) وعلمت أن تلك الأرض أرض لا يفارقها اللظى، وتفور منها إلى
هذا الوقت نار الكبر والعلى، فعفى (كذا) الله عن موسى لم تركها وما عفى
(وههنا أساء الأدب مع سيدنا موسى الكليم ونسب إليه الخطأ والذنب والتقصير، على
أن تعفية مصر وإهلاكها بيد الله لا بيده عليه السلام) .
ثم قال بعد مكابرة في ردنا على كتابه ونسبته للغلط والتكلف ما نصه:
وحسبتك حبيبا يريحني كنسيم الصباح، فتراءيت كعدو شاكي (كذا) السلاح،
وخلت أنك تهدر بصوت مبشر كالحمام، فرأيت وجهك المنكر كالحمام، وأعجبني
حدتك وشدتك من غير التحقيق (كذا) فأخذني ما يأخذ الوحيد الحائر عند فقد الطريق،
لكني أسررت الأمر وقلت في نفسي: لعله تصحيف في التحرير، وما عمد إلى
التوهين والتحقير، وكيف قصد شرا لا يزول سواده بالمعاذير. وكيف يمكن الجهر
بالسوء، من مثل هذا النحرير (يذم ويمدح) ولما تحققت أنه منك تقلدت أسلحتي
للجهاد، وقلت: مكانك يا ابن العناد، وعلمت أنك ما تكلمت بهذه الكلمات، إلا حسدا
من عند نفسك لا لإظهار الواقعات، (إنني لا أدعي المسيحية فأحسده على دعواها
ولا شيء آخر يحسد عليه) فابتدرت قصدك، لئلا يصدق الناس حسدك، فإن
علماء ديارنا هذه يستقرون حيلة للإزراء، فيستفزهم ويجرئهم علي كلما قلت
للازدراء، ولولا خوف فسادهم لسكت وما تفوهت وما تجلدت، ولكن الآن أخاف
على الناس، وأخشى وسوسة الخناس، وإن بعض الشهادات أبلغ من الضرب
بالمرهفات، فأخاف أن يتجدد الاشتعال من كلمات المنار، ويسقط ميمه ويبقى على
صورة النار) .
ثم ادعى أنه كان غلب علماء الهند وسرق سجعات من كلام الحريري، وقال:
(فالآن أحيي اللئام بعد الممات، وشد المنار عضدهم بالخزعبيلات (كذا)
فأرى أنهم يتصلفون، ويستأنفون القتال، ويبغون النضال، ويخدعون الجهال،
ورجعوا إلى شرهم وزادوا صدا، بما جاء المنار شيئا إدا وجاز عن القصد جدا (كذا
بالزاي والحريري استعملها بالراء من الجور) فأكبر كلمه حزب من العمين إلخ.
ثم ذكر أنه كثيرا ما كان يغضي عن المعترضين والمزدرين وقال: (ولكن
رأيت أن صاحب المنار، عظم في عين هذه الأشرار، (كذا) وأكبر شهادته بعض