تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ومنها) استخراج معدن نحاس من أرغنه التابعة لولاية حلب. وقد حال دون إعطاء

بعض هذه الامتيازات ما يحول كل مصلحة عامة يطلبها الوطنيون كالرشوة ونحوها.

وقد كان أعطى امتياز استخراج النحاس واشتغل به ثلاثة سنين ونيف وبعد ذلك

أرادت حكومة الولاية إبطاله لأمر ما فأدخلت مع الفقيد في العمل بعض الأجانب

وتوسلت بذلك إلى إبطاله.

خدمته للناس وللحكومة:

كان اتخذ له مكانا بين داره ودار الحكومة سماه المركز يأوي إليه وكلاء

الدعاوي فكان يؤمه أصحاب الحاجات والقضايا يستشيرون صاحب الترجمة في حل

عقد المشكلات، ويستضيئون برأيه في دياجير المهمات، وكان في الغالب يفضل

بينهم بالتراضي ويغنيهم عن المحاكمة والتقاضي فإن احتيج في قضية إلى الحكومة

يندب له من يراه أهلا لها من الوكلاء المحامين، وإن كانت عظيمة الشأن أن يندب

نفسه ويحاكم المبطل حتى يحق الحق لصاحبه. وقد كان قصاد ذلك المركز يكادون

يزيدون على قصاد دار الحكومة، وكانت الحكومة نفسها تستشيره في الشئون

الغامضة تعتمد على رأيه.

* * *

مقاومة الحكام له:

ورث الفقيد عن سلفه السادة الأمراء علو الهمة وقوة العزيمة وعدم المبالاة

بالأخطار فهو من سلالة السيد إبراهيم الصفوي الأردبيلي المهاجر إلى حلب وما

حديث الصفوية في الإمارة بمجهول. بهذا كان رحمه الله تعالى لا يهاب الحكام

ولا يداريهم مع أن حكومتهم في الحقيقة استبدادية. وهذا هو الذي أحبط أعماله في

بلده وذهب بثروته. غاضب عارف باشا أحد ولاة حلب فأغرى بعض الناس بأن

يكتب إلى الأستانة شاكيا من سيئات الوالي شارحا لهم فعلم الوالي بذلك فعمل مكيدة

لحبس الفقيد وضبط أوراقه وزور عليه ورقة سماها (لائحة تسليم ولاية حلب

إلى دولة أجنبية) وطلب محاكمته عليها، وحكم القانون في هذه الجريمة الإعدام

ولكنهم غلطوا في معاملته بالحبس وطلب الاستنطاق غلطا قانونيا ما كان ليخفى

على الفقيد فكتب إلى الأستانة كتابة مطولة يظهر فيها أن خروج حكومة الولاية

عن حدود القانون هو من دلائل تحاملها عليه وتحريها ظلمه، وطلب أن يحاكم في

ولاية أخرى فأجيب طلبه وحوكم في بيروت فحكم ببراءته وما زال يتتبع الوالي

حتى عزل بعد عودته إلى حلب وكان هو أول من بشره بالعزل بواسطة قاضي

الولاية ثم إنه أخرجه من حلب بإهانة عظيمة؛ لأنه أوعز إلى أصناف الفقراء

الذين كانوا يسمون الفقيد أباهم لنصرته إياهم فاجتمعوا عند داره بهيئات غريبة

فترك أهله وخرج كالهارب وسافر إلى الأستانة وتبعه الفقيد ليحاكمه ولكنه لم يكد

يصل إليها حتى مات قهرا.

وكان الشيخ أبو الهدى أفندي الشهير من أعدائه ويقال أن السبب الأول في

ذلك إباء الفقيد أن يصدق على نسب الشيخ أبي الهدى هذا، وإن الشيخ أبا الهدى

صار نقيب أشراف حلب وكانت هذه النقابة من قبل في آل الكواكبي. ومن آداب

الفقيد العالية أنه كان هنا يثني على صفات الشيخ أبي الهدى الحسنة كالمروءة

والكرم والذكاء والثبات وقلما كان يخوض بانتقاده إلا مع الخواص الذين يعرفون

الحقائق فكانت عداوتهما عداوة العقلاء.

خسر الفقيد بتلك المحاكمة ألوفا من الجنيهات وخسر أضعافها بإدارة شركة

انحصار الدخان للمرة الثانية أيضا؛ لأن الحكومة مكلفة بحفظ أماكن الشركة فلما

حدثت فتنة الأرمن امتنع الوالي عن إرسال العساكر لمنع نهب الأرمن مال الشركة

وخسر بعدم مداراة الحكام غير ذلك من المزارع والأرض (منها) مزرعة (جفتلك)

جميل باشا الوالي التي اشتراها منه الفقيد فاعتدى عليها زعماء التركمان بإغراء خفي

حتى أخذوها ومنها مزرعة (جفتلك) كانت مستنقعات تابعة للأراضي الأميرية فألف

لها شركة وأخذها من الحكومة وجففها فأغرى المغرون بعض عشائر الأكراد بالتعدي

على حصته فحاكمهم فحكم لهم عليه بالمساعدة الخفية، وفي أثر ذلك سافر مهاجرا

إلى مصر.

سياسته ورأيه في الإصلاح:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٣٦