تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المنتقدون بادي الرأي. وذلك أن التلميذ يخرج من مدارسنا إلى العمل غالبا ولا ثقة

لنا بأنه يسمع في خطب المساجد وفي دروسها شيئا من حكم الدين وأسراره التي

تبعث النفوس على العمل بأحكامه كالذي سمعتم من حكم الصوم. وكذلك لا نرجو

أن يجد معهدا من معاهد العلم يسمع به شيئا من مباحث التربية وعلم الاجتماع

والآداب العالية بالأولى، فرأينا أن يحفظ كل تلميذ بعض مقالات في هذه المقاصد

بجتهد في إفهامه معانيها بالجملة كما يقتضيه سنه ويوكل الفهم التفيصلي إلى حوادث

الزمان وارتقاء الفكر فيها، فهذه المحفوظات القليلة المفيدة ذخر للتلميذ في مستقلبه

وهي كبذرة وضعت في أرض صالحة يتعاهدها الزمن بالسقي والتغذية حتى تثمر

الثمرة الصالحة إن شاء الله تعالى.

إذا أجلتم النظر في أحوال المسلمين دون أن نترك تعليم الدين على هذا الوجه

من بيان فوائده وحكمه وغرسها في النفوس (وهو الفقه الحقيقي في الدين) فقد أدى

إلى تركه من بعض المسلمين والإتيان على غير وجهه من بعض آخر. ولنضرب

المثل بفريضة الزكاة التي حفظ تلامذتنا مقالة في فوائدها في العام الماضي كما يذكر

من حضر احتفاله وفريضة الصوم التي سمعتم فوائدها وهي التي تلي الزكاة في

الترتيب.

الزكاة ركن من أركان الإسلام، وبذل المال في إقامة هذا الركن يفضل غيره

من أنواع البذل، ولذلك قرنت الزكاة بالصلاة في القرآن في أكثر المواضع، وقد

جعل الله إنفاق المال في سبيله آية الإيمان، وجعل تركه علامة النفاق والكفران،

وقاتل الخليفة الأول بموافقة الصحابة كلهم رضي الله عنهم مانعي الزكاة ومع هذا

كله نرى المسلمين قد هدموا هذا الركن ونسوه حتى كأنه ليس من الدين بالمرغوب

وأطال الأستاذ الكلام في الزكاة وفي مضرة تركها ثم انتقل إلى الصوم وبين أن

بعض المسلمين تركوه وأن الذين يصومون لا يؤدون هذه الفريضة على الوجه الذي

أراده تعالى بقوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من

قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة: 183) وأوضح هذا بذكر ما عليه الناس، ثم انتقل

إلى الكلام في تعليم مدارس الجمعية فقال:

إن مدارس الجمعية وضعت لتعليم أولاد الفقراء ما لا بد منه لكل إنسان وهو

أن يحسن القراءة بلغة أمته ويعرف ما يجب عليه من أحكام دينه ويتربى عليه عملا

والحساب والتاريخ وتقويم البلدان وطرقا من مبادئ التاريخ الطبيعي وحفظ الصحة

وآداب المعاشرة، ولا بد عندنا من تعليم هذه الأشياء على وجه مفهوم في أربع

سنين وسن التلميذ لا يتجاوز الخمس عشرة سنة، وليس عندنا لغة أجنبية لأننا لا نعد

التلاميذ للوظائف والشهادات وإنما نعدهم للعمل بالحرف والصنائع وما ذكرنا من

التعليم لا يستغني عنه صانع ولا زارع.

قال: كنت أحب أن يكون هذا التعليم عاما في البلاد ومبينا في جميع الطبقات

ثم يتسنى بعده لكل طبقة أن تتناول من العلوم والفنون واللغات في المدارس الثانوية

والعالية ما هي مستعدة له , ولكن المانع للمشتغلين بالتعليم والتعليم من التوجه إلى

سلوك هذه الطريقة أمران أحدهما: أن رغبة الناس منصرفة إلى جعل التعليم ذريعة

لأخذ الشهادة؛ لأنها شرط للاستخدام في الحكومة، والسبب في رغبة الناس في خدمة

الحكومة هو أن الناس لعدم ثقتهم بأنفسهم ولجهلهم بطرق الكسب الواسعة وضعف

هممهم عن سلوكها يود كل واحد منهم أن يكون له مورد من الرزق مضمون يعتمد

عليه وإن كان وشلا آسا فإذا استخدم بمائة وخمسين قرشا ولو في أعلى الصعيد أو

السودان ينام آمنا مطمئنا ويلقي هم الدنيا وراء ظهره إلا إذا تيسر له السعي في

شفاعة تزيد في راتبه أو ينتقل بها إلى مكان غير مكانه ولو استعمل مواهبه التي

منحه الله إياها وكدح في طلب الرزق من طرقه الواسعة لا سيما التجارة، لجاز

أن يكون من انتقل إلى بيان السبب الآخر في عدم التوجه إلى التعليم النافع فقال:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٣٣