الكريم الصادر بإنشاء قسم التخصص، لم يشترط لدخوله سوى نيل شهادة العالمية
دون أن يفرق بين مكفوف ومبصر، فلا يصح مع هذا الإطلاق أن يكون التخصص
وقفا على طائفة خاصة لتهمل طائفة أخرى هي أحوج الناس إلى المعونة والعطف.
وأما حقهم في الإمامة والخطابة فليس لأحد أن يقول: إن بهم مانعا من الأهلية
له فمن الواجب أن يعطوه؛ لتكفل لهم حاجتهم الضرورية، ولينتفع المجتمع بكثير
من الكفايات التي من الله بها عليهم.
(المطلب السابع) : (إرسال بعثات إلى الجامعات الأوربية؛ لدراسة العلوم
التي تتناسب مع التعليم في الأزهر، واتخاذ الطرق التي تكفل ذلك) .
لقد دهش بعض الناس لهذا الطلب، واعتبروه غريبا في ذاته، وأنه لا يليق
بطالب العلم الديني، ولكن الأزهر الناهض الذي يريد أن يستعيد مجده وكرامته،
وأن يشغل المركز الجدير به بصفته أكبر جامعة شرقية إسلامية، يجب أن ينال هذا
المطلب الضروري، وأن تتخذ له الوسائل التي تكفل نجاحه.
أولسنا في حاجة لعلوم جديدة في حياة الأزهر الجديدة؟ أو قل: إلى دراسة
تلك العلوم التي جاءت الأزهر منذ زمن غير بعيد - كالتربية - دراسة وافية؟
ثم أليس من اللازم مثلا أن ندرس في جامعات أوربا فلسفة الديانات وغيرها
من العلوم التي لها علاقة بالأديان، وإلا فكيف نفعل ونحن نرى الأجانب يدرسون
إلى جانب دينهم ديننا أيضا؛ ليتقولوا علينا إذا شاؤوا، وليحرفوا الكلم عن مواضعه،
في الوقت الذي لا ندري نحن من دينهم شيئا لنرد باطلهم بحقنا! !
فمن الضروري أن نلم بذلك كله، ونتوسع فيه توسعا نتمكن به من تأدية
واجباتنا على الوجه الأكمل، فإن في عنقنا واجب الدفاع عن الدين وإذاعة شأنه بين
الناس، وذلك يستلزم الوقوف على كل ما له مساس بالأديان.
ومن الضروري أيضا أن يكون من البعثة الأزهرية من يتخصص في الفلسفة
والتاريخ والعلوم العقلية، فنكون قد عملنا على أن نعيد للعلم في الشرق والأزهر
قوته وشبابه، وفي ذلك مفخرة عظيمة لمصر تجعلها على الدوام قبلة رواد العلوم
والآداب في الشرق عامة.
ولقد فطن إلى ذلك منشئ مصر الحديثة محمد علي باشا، فأرسل بعثات
كثيرة إلى الخارج كانت كلها أو أغلبها من الأزهريين، وقد كان أولئك المبعوثون
بعد عودتهم قواد النهضة العلمية المزدهرة التي غمرت مصر، ورددت البلاد
الشرقية صداها، وكان لها منها الأثر الجميل.
وإذا كان هذا أثر البعثات الأزهرية في الماضي، فإن بوسع مصر في
الحاضر أن تستفيد مما يمتاز به الأزهر من نشاط وكفاية ودأب على العمل واستعداد
للتفوق والنبوغ، فترسل إلى الخارج من الأزهريين من يكون عونا لها في مستقبلها
المحتاج إلى الكفاح الشديد في سبيل سعادة الأهلين.
وما يقوله بعض قصار النظر: من أن إرسال الأزهريين إلى الخارج مفسد
لدينهم هو من باب الوهم الذي لا يقبله عقل، فإنما يفتتن عن دينه أولئك الجاهلون
بالدين الذين لم تمتزج تعاليمه بأنفسهم، ولم يدركوا أسراره ومبادئه لا الأزهريون
الذين هم أعرف الناس بالدين، والذين عملوا جهدهم لحفظه، وكانوا على الدوام
حماته الأمجاد وحراسه القادرين.
وإذا قال أحد: إن الأزهريين لا يملكون الوسيلة التي يتمكنون بها من السفر
إلى الخارج كإتقان اللغة الأجنبية؛ فإنا نرد عليهم بأنا نقبل عن طيب خاطر أن
ينشأ قسم اختياري بالأزهر لتعليم اللغات، يستطيع بواسطته الطالب إتقان اللغة
التي يريدها؛ ليكون على استعداد للسفر، وليس في تعليم اللغة الأجنبية وإتقانها ما
يمكن أن يكون موضع اعتراض من الوجهة الدينية أو غيرها، على أن عددا غير
قليل من الأزهريين يدرس الآن بعض اللغات خارج الأزهر، وكثير منهم يتقن هذه
اللغات التي يدرسها، مما يدل على استعداد الأزهريين للسفر في البعثات من الآن
إذا أجابهم إلى طلبهم ولاة الأمور.
(المطلب الثامن) : (إيجاد أمكنة صحية صالحة للدراسة غير الأمكنة