سقوطه يحاولون إخراجه من العقبة التي هي من أراضي الحجاز الصرفة، وهو
أصبح لا يكره أحدا في العالم كرهه للإنكليز، حال كون الأتراك الآن ناعمين
بملكهم مستقلين أكثر من ذي قبل (والعالم الغربي) يتزلف إليهم ظاهرا.
لا تثقل علينا هذه الأقاويل من أجل تضمنها محاربة الدين الإسلامي أو
الجامعة الإسلامية، فإننا نحترم جميع الآراء والمذاهب، ونقرأ كلام كثيرين ممن
يجاهر بالإلحاد أو التعطيل، أو يحارب الدين المسيحي خاصة أو الدين الإسلامي
خاصة، ونأخذ كثيرا من أقوالهم بعين الاعتبار [2] إذا كان أصحابها من ذوي العلم
والاطلاع والفلسفة والتاريخ، لا بل نعجب بهم وبسعة علمهم إذا كانوا نظير الدكتور
شبلي الشميل والأستاذ الزهاوي وأمثالهما، والجامعة الإسلامية لا نفهمها إلا بمعنى
الرابطة التي يقدر أن يستفيد منها الأمم المستضعفة منهم على قدر إمكانهم؛ لأن من
سنة الخلق أن الضعفاء يتفقون والأقوياء يختلفون، وإذا كانت إنكلترة اليوم وهي
أقوى الأقوياء تدعو فرنسة وإيطالية وأسبانية لتشكيل جبهة واحدة في وجه الإسلام
فما ظنك بالمسلمين الضعفاء، الذين هم أحوج إلى الانضمام، وكون ابن عبد
المؤمن لم ينجد صلاح الدين أثناء الحرب الصليبية على الإفرنج - على رواية أنه
لم ينجده - ناشئ عن كون الإسلام قويا يومئذ لا يخشى عليه بالجملة، على أن ما
جاء مخالفا للواجب لا يجوز أن يكون قياسا، فقد وجد في ملوك فاس من أسقطه
أهل مملكته فذهب إلى الأسبان، وجاء بهم، وقاتل قومه، أفنجعل ذلك مثالا ونقول:
إن خيانة الملك لقومه ليست بشيء، فقد فعل الملك فلان ما هو كيت وكيت؟ وكم
في تاريخ الإسلام من حوادث سيئة، وأخبار منكرة عن ملوك وأمراء ووزراء مما
لا يخلو منه أمة أفنتخذ ذلك حجة ونقول: ما دام فلان سرق فيجوز لي أن أسرق
وما دام فلان قتل فلا حرج علي في أن أقتل؟
وليس بالضروري الاستمساك بالجامعة الإسلامية دون سواها، فالجامعة
الشرقية هي أوسع منها وأكثر وسائل، ولقد استعدت لها الأمم الشرقية منذ أمد،
وتأسست في طوكيو جمعية؛ لغرض تحرير الأمم الأسيوية من رق أوربا , وصل
فيها مؤخرا اجتماع يقال: إنه لم يسبق له مثيل في الازدحام والاكتظاظ، وخطب
فيه خطباء من الصين واليابان في موضوع اتحاد الأمم الأسيوية، ووجوب
تضامنها وتعاضدها لرفع سلطة العالم الغربي عنها، وستنمو هذه الجمعية ويكون لها
شأن عظيم.
وكان يود الإنسان أن لا يكون من حاجة إلى جامعة إسلامية ولا إلى جامعة
شرقية، وأن ترتفع الفوارق الدينية والوطنية، وتصير الجامعة هي الجامعة
الإنسانية لا غير، ولكن مع الأسف نقول: إن (العالم الغربي) لا يزال بعيدا من
هذه الإحساسات، محتقرا غيره مجوزا لنفسه استعباد سائر الشعوب في السياسة
وفي الاقتصاديات وفي كل شيء، بحيث لا يقدر الشرقيون أن يسترسلوا إليه أو
يثقوا به، فإذا قام واحد مع ذلك يناضل عن (العالم الغربي) بعلم وحكمة وإنصاف
وروايات صحيحة شأن العلماء - سر الإنسان أن يناظرهم ولو كانوا سائرين في
عكس خطة الشرقيين، وأما النضال عن (العالم الغربي) بمثل هذا الخلط الذي قدمت لك أنموذجات منه فهو شيء مزعج لا يطاق، ويخشى الإنسان منه على أذهان البسطاء. اه.
-----------------
<span class="footnote">
(1) يعني أقوال ذلك المتفرنج الملحد الذي يرد عليه.
(2) المنار: المراد بالاعتبار ما فيها من العبرة والموعظة.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">