إسلام، وأية رابطة تبقى للبربر الذين هم القسم الأعظم فيها مع العرب إن لم يكن
الإسلام؟ وأية قوة كانت للعرب على البربر ليس في الوقت الحاضر فقط بل في
وقت الفتح نفسه إن لم تكن قوة الإسلام، فإن فتح العرب لهذه الأقطار باتفاق جميع
المؤرخين شرقا وغربا إنما تم واتسق بدخول البربر في الإسلام وليس بسبب آخر.
أم ذلك القول: بأنه يجب أن نترك هذا الحلم الجميل الذي هو نشر العربية
بواسطة القرآن والهزء بهذا (الحلم الجميل) ؟ فهذا أيضا من الفلسفة التي عجزت
العقول عن إدراكها.. . نعم إن المستعمرين ولا سيما الإنكليز تعجبهم هذه النقمة،
ويتمنون انتشارها ورواج هذا التضليل بين العرب طمعا في حص أجنحة الأمة
العربية التي تخشى إنكلترة انتظام شملها واستئناف دولتها أكثر كثيرا مما تخشى
الأتراك، وهذا هو السبب الوحيد في كوننا نعنى بإدحاض هذه الأقاويل وإزالة
تلبيسها، وإظهار ما فيها من العته؛ لئلا يلصق منها شيء بأذهان الجالية العربية
بأميركا وفيها كثير من السذج وغير المتعلمين، ومن ربما يظنون أن تلك الأقاويل
على شيء من الصحة، فمعلوم عند الجميع أن كل الأمم العظيمة والصغيرة تجد
وتدأب في نشر لغاتها، وتؤسس لذلك المعاهد العلمية، وتنفق عليها القناطير
المقنطرة، وكلما ازداد انتشار لغة ازدادت سعادة المتكلمين بها وحق إعجابهم، فإن
انتشار لغة أمة من الأمم يعتبر إضافة لعدد كبير من غير أبنائها إليها، فضلا عما
يستجلب إليها من الميول؛ لأن من عرف شيئا أحبه ومن جهل شيئا عاداه، والأمة
العربية تجسدها سائر الأمم على كون لغتها هي لغة سبعين مليونا من العرب
والمستعربين - المستعربين بسبب الإسلام ونفوذه الماضي لا يسبب آخر أصلا -
واللغة الدينية لثلاثمائة وخمسين مليون مسلم في الأرض قد امتزجت بلغاتهم
الأصلية، وتشكلت منها أكثر ألفاظهم العلمية، وهذا كله بدون شيء من العناء
الذي يعانيه الإفرنج، لأجل نشر لغاتهم، أفمثل هذا الغرض الذي ترمي إليه كل
الأمم الراقية، وتبذل من أجل بعضه الجهود والأموال الطائلة يهزأ به؟ ويقال عنه:
(حلم جميل) لا فائدة لنا به.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
ثم عاد الكاتب إلى ذكر تلك الدعوى الغربية الغريبة في تعليل حرب
الصليبيين للعرب بأسلوب آخر وقفى عليه بقوله:
ربما قيل لي: كررت هذا المعنى كثيرا ولم تزل ترجع إليه، فأقول: بلى؛
لأنه أعجبني وأطربني جدا، وحقا أراد أن يعامل ويغلط من يباهت في الحقائق التي
لا يختلف فيها اثنان، فليأت بمثل هذه المزاعم وليضحك قراءه ويطربهم وإلا فلا، ولا سيما عندما يقول: إن هذه الرواية هي مما لا يحتمل الشك ولا التأويل، ولا
يقبل الجدل ولا يسوغ المناقشة) أنه هو كون الإفرنج لم يقصدوا سورية، ولا خربوا مدنها، ولا طمسوا حضارتها العربية، ولا ذبحوا مئات الألوف من أهلها
كالشياه، ولا أجروا الدماء في المسجد الأقصى حتى غاصت الخيل فيها إلى
صدورها، ولما وصل الخبر إلى بغداد قام العويل وعلا البكاء وهجمت العامة
على دار الخلافة، وكان يوما عظيما، كلا لم يعملوا شيئا من هذه الأفعال سنة
1099 إلا نكاية بالأتراك عن حروب مستقبلة سيعملونها نحو سنة 1400
إلى 1450.
وهذه أشبه بما كانت دول الحلفاء تقول للعرب قبل الحرب العامة وفي أثنائها:
وهو أن هذه الدول (دول الحق والعدل) ليس لها غرض سوى تحرير العرب
من عبودية الأتراك، وإنزال العقاب في هؤلاء الأتراك البرابرة، وتأسيس استقلال
للعرب يستأنفون به مجدهم السابق، وما زالوا يكررون هذا التدجيل على العرب
وصدقهم فيه كثير من معاتيه الله في ملكه كما يقال - ولا يزال بعضهم مصدقا -
حتى وضعت الحرب أوزارها، فكانت الدائرة الحقيقية هي على العرب، وظهر
الغش والخداع وغدروا بالحسين بن علي حليفهم وهزؤوا به وهم الآن بهذه المدة بعد