تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصدق كلامه؟ كلا قد جربنا ذلك من قبل فلم يزل الذي يعرف بما لا يعرف مصرا

على خطئه.

رابعا - كيف بقي العالم الغربي ملازما صداقة المسلمين نحو ثلاثة قرون بعد

انتصار صلاح الدين عليه، وصلاح الدين انتصر على الإفرنج سنة 1192، وبعد

ذلك جرت الصليبية الثالثة التي كانت أشد الصليبيات، وبقيت الحرب فيها على

عكا سنتين ثم عقبتها الصليبية الرابعة سنة 1204، ثم الصليبية الخامسة سنة

1221، ثم الصليبية السادسة سنة 1229، ثم الصليبية السابعة سنة 1252 التي

غزوا فيها دمياط، ثم الصليبية الثامنة سنة 1270 في زمن لويس التاسع وفيها

غزوا مصر، وأسر فيها مارلويس وبعد أن فدى نفسه عاد فغزا تونس، ومات في

حصارها.

فهذه كلها حروب اعتداء في اعتداء على المسلمين، لا سيما على العرب

الذين ذاقوا فيها من الأهوال والنكبات ما لا يوصف، وكلها من بعد صلاح الدين

وضمن ثلاثة قرون (الصداقة) التي زعمها صاحب تلك الجملة المعربة، فإن

كانت هذه هي الصداقة فيكف تكون العداوة يا ترى؟ ثم بعد تلك القرون الثلاثة

حروب أخرى تقدم ذكرها لم يكن فيها أدنى رائحة للأتراك، وإنما اضطر عرب

المغرب بتوالي تعدي الإفرنج عليهم إلى استنجاد الأتراك، الذين استخلصوا تونس

والجزائر ووهران في زمن سليمان القانوني، كما أن سواحل مراكش استخلصها

من البرتغال مولاي إسماعيل سلطان قابوس العظيم جد الأسرة السلجماسية، على

أنه من الحقائق التاريخية أن الذي زاد رابطة العرب بالأتراك هو ما رأوه فيما بعد

من جهاد الأتراك في دفع الإفرنج عن البلاد العربية، فالإفرنج هم الذين أحوجوا

العرب إلى الأتراك.

خامسا - مضحك جدا قوله: إن العالم الغربي تحرك فيه عامل الانتقام لزعمه

أن العالم الإسلامي راض عن أعمال الأتراك يصلي لله سرا وعلانية؛ لنصر

الترك المسلمين، فالعالم الغربي يذبح تلك الأمم ويوقع تلك المصائب كلها في أقوام

كل ذنبهم أنهم صلوا لنصرة أبناء دينهم بالقتال فعلا - كما يتطوع ألوف من الإنكليز

وغيرهم اليوم في حرب الريف بجانب الأسبان - حقا قائل هذا القول الإفرنجي لا

يخجل، ومصدقه يستحق الرثاء، لا يكفي الإفرنج أن قصدوا القدس من أقصى

بلادهم، وخربوا ديار الشام، ونسفوا الحضارة العربية، ودخلوا بيت المقدس؛

فالتجأ المسلمون إلى المسجد الأقصى فدخلوا إليه وذبحوهم عن آخرهم نساء ورجالا

وأطفالا، وكانوا سبعين ألفا حتى غاصت الخيل في الدم إلى صدورها، وامتلأت

القدس بأشلاء القتلى فاستحيا الإفرنج ثلاثمائة من المسلمين؛ لأجل نقل الجثث

وتنظيف الشوارع من الدماء، وبعد أن فرغوا من عملهم هذا عاد الإفرنج فقتلوهم

أيضا، وارتكبوا فظائع لا يسع المقام ذكرها، بل بعد ذلك كله يأتي واحد فيقول:

(إنما فعلوا ذلك) لأن العالم الغربي زعم وقد يكون زعمه حقيقة أن العالم

الإسلامي راض عن الأتراك الذين اعتدوا على العالم الغربي في سهول البلقان

والشاطئ الأدرياتيكي، أي أنه يعطي العالم الغربي الحق في هذه المذابح بأجمعها

التي مذبحة المسجد الأقصى واحدة منها، ويرى الذنب ليس من العالم الغربي بل

من المسلمين الذين (صلوا لله سرا وعلانية؛ كي ينصر الترك المسلمين أبناء دينهم

(أفلا تراهم يستحقون هذه المذابح وقد صلوا هذه الصلاة؟ هذا ولو كانوا صلوا

لنصر الأتراك قبل وصول الأتراك إلى الأدرياتيكي بأربعمائة سنة.. . هنا حيلتي

مع الذي لا يعرف ما يقول أصبحت قليلة.

من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة

وماذا عساني أن أعد من تلك الحقائق الناصعة والآراء الصائبة [1] ؟ أقول له:

إن بلاد شمالي أفريقية بقيت عربية؛ لكون العرب ثبتوا فيها، لا من أجل كونها

إسلامية؟ لم نعلم أي مؤرخ شرقي أو غربي أو فيلسوف اجتماعي قال هذا القول،

ولا كيف يتصور العقل أن مراكش والجزائر وتونس وطرابلس تبقى عربية بدون

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٤٨