تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن مراكز الجمعيات التي حكي عنها تدبير قتل الخليفة , أما سيدنا كعب فقد توفي

سنة 32ه أي قبل قتل الخليفة بثلاثة أعوام كما ذكره صاحب الخلاصة المذكورة ,

على أن الحالة تشهد ببعدهما عن مثل هذه الأحوال لأنه لو نسب إليهما ذلك لشاع

واشتهر , فلم يأخذ عنهما أحد من المحدثين وخصوصا البخاري الذي كان يمتنع عن

الأخذ عن الراوي لأدنى شبهة قيلت فيه , وأيضا لحكى عنهما ذلك أحد المترجمين

لهم المذكورين , ومع أن الحافظ الذهبي التزم في كتابه (تذكرة الحفاظ) أن يذكر

فيه المحدثين الموثقين فقط , وقد ذكرهما (كذا) بترجمتين مستفيضتين عن علمهما

وورعهما وكفى بذلك توثيقا , هذا ما اطلعت عليه الآن مما دونه المتقدمون عن

هذين الحبرين الجليلين , أرجو نشره بالمجلة مشفوعا برأيكم واقبلوا فائق الاحترام.

... ... ... ... ... ... ... عبد الرحمن الجمجوني

(جواب المنار)

يظهر أن المنتقد قرأ عبارتنا في التفسير فانتقد ما علق بذهنه منها من غير

مراجعة لعبارتها , ولو رجع إليها في أي وقت لرأى جل ما كتبه غير وارد عليها،

وما أطال به من الثناء على وهب في غير محله إذ ليس من موضوع الكلام، وكذا

ما ذكره من نفي اشتراكه في الجمعيات السرية الفارسية وفي قتل الخليفة الثاني،

وما ذكره من براءة كعب الأحبار من مثل ذلك فأنا لم أر مهما بهذا، وإنما قلت فيهما:

إنهما كانا (كثيرا الرواية للغرائب التي لا يعرف لها أصل معقول ولا منقول ,

وأن قومهما كانوا يكيدون للأمة الإسلامية العربية , فقاتل الخليفة الثاني فارسي

مرسل من جمعية سرية لقومه، وقتلة الخليفة الثالث كانوا مفتونين بدسائس عبد الله

بن سبأ اليهودي , وإلى جمعية السبئيين وجمعيات الفرس ترجع جميع الفتن

السياسية وأكاذيب الرواية في الصدر الأول) اه بحروفه وسنوضحه بعد.

وذكرت قبله (أنني أرجح تضعيف عمرو بن الفلاس لوهب على توثيق

الجمهور له , بل أنا أسوأ ظنا فيه على ما روي من كثرة عبادته , ويغلب على

ظني أنه كان له ضلع مع قومه الفرس) إلخ , ولم أقل: إنه اشترك في مقتل عمر

فيرد علي بتاريخه أو بغير ذلك، والذي يعنينا من هذا النقد ما هو المقصود منه

بالذات وهو رواية لرجلين وما زعمه المنتقد من توثيق الشيخين لهما ولا سيما

البخاري , وكون كل من رويا عنه أو روى عنه الأول ثقة لا يقبل فيه جرح , ولا

يصح أن تكون روايته محل بحث، وفي كلام المنتقد أغلاط لغوية وفنية وتاريخية

لا حاجة إلى إضاعة الوقت في بيانها , فأكتفي في الرد على ما ذكرت أنه المقصود

بالذات فأقول:

أما كعب الأحبار فإن البخاري لم يرو عنه في صحيحه شيئا ولكن ذكره فيه

بما يعد جرحا له لا تعديلا، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من تهذيب التهذيب

وروى البخاري من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية

يحدث رهطا من قريش بالمدينة , وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان لمن أصدق

هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب , وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (تأمل) .

قال الحافظ بعد نقل هذه العبارة عن الأصل: (قلت) هذا جميع ما له في

البخاري , وليست هذه رواية عنه فالعجب من المؤلف كيف يرقم له رقم البخاري

فيوهم أنه أخرج له إلخ: يعني أن ذكر صاحب التهذيب رقم البخاري وهو حرف

(خ) عند اسم كعب غلط , وقد صرح الحافظ الذهبي في الطبقات بأنه ليس له شيء

في صحيح البخاري وغيره، والمنتقد يبدئ ويعيد ذكر رواية البخاري عنه وتوثيقه

له , وأقول: إن قول معاوية: إن كعبا كان من أصدق المحدثين عن أهل الكتاب ,

وأنهم مع ذلك اختبروا عليه الكذب- طعن صريح في عدالته وفي عدالة جمهور رواة

الإسرائيليات إذ ثبت كذب من يعد من أصدقهم , ومن كان متقنا للكذب في ذلك

يتعذر أو يتعسر العثور على كذبه في ذلك العصر , إذ لم تكن كتب أهل الكتاب

منتشرة في زمانهم بين المسلمين كزماننا هذا , فإن توراة اليهود بين الأيدي , ونحن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٤