تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الحكم المأثورة عن سيدنا وهب قوله: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره

والعقل دليله والصبر أمير جنوده والرفق أبوه واللين أخوه: فجعل للمؤمن دولة من

نفسه , نقل ذلك الحافظ الذهبي في ترجمته له في كتاب ميزان الاعتداد في نقد

الرجال.

وكعب الأحبار فضلا عن أخذ المحدثين عنه لم يطعن عليه أحد منهم ,

والمذاكرة التي دارت بينه وبين أبي هريرة حال رحلته بالشام (في الساعة التي في

يوم الجمعة) من الحجج الدينية الإسلامية التي يشير إليها قوله تعالى: {أولم يكن

لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} (الشعراء: 197) كما هو موضح بموطأ

الإمام مالك , ويكفيه توثيقا أخذ أبي هريرة عنه وابن عباس ومعاوية وجماعة من

التابعين , نص على ذلك صاحب الخلاصة المذكورة عند ترجمته باسم (كعب بن

مانع الحميري أبو إسحاق الحبر وقال بالهامش: وهو المعروف بكعب الأحبار

إلخ) .

أما عن نفي أوجه الجرح الثلاثة السالفة:

(فالأول) غير جارح أصلا؛ لأن أخبار بني إسرائيل ليست مما تعبدنا الله

بها , ولم نلزم بالتحري في نقلها إلزامنا بنقل الأحاديث الإسلامية لما رواه الإمام

الشافعي في رسالته الأصولية الشهيرة في أواخر (باب تثبيت خبر الحجة) بسنده

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج،

وحدثوا عني ولا تكذبوا علي) ورواه صاحب كتاب رموز الأحاديث في حرف

الحاء بلفظ (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنكم لا تحدثون عنهم شيئا إلا وقد

كان فيهم أعجب منه) عن الشافعي وابن منيع وصححه السخاوي فأي وزر على

من بلغه هذا الحديث فحدث بأخبار بني إسرائيل على علاتها كما سمعها , ما دام أنه

لم يرد في ديننا ما يمنع من ذلك , ولم تصادم أصلا من أصوله وإلا كانت منسوخة

هذا وبمراجعة تفسير ابن جرير عند هذه الآية وجد أن في سند الخبر بموت الخمسة

وعشرين ألفا من هو مجهول , فيحتمل أن هذا المجهول هو الواضع لهذا الخبر

والأصوب حمله على الحديث السالف , إذ لا ضرر علينا من ذلك دينا , ولم نكلف

بتمحيص أخبار بني إسرائيل والبحث في أسانيدها وتبعتها عليهم.

(الثاني) لم نعلم أحدا قبل الآن نسبهما للكذب والدس في الأحاديث الإسلامية

وكل ما نسب إليهما من بعض المتأخرين هو الإكثار من أخبار غرائب بني

إسرائيل , وقد علمت ما فيه ولم يصرح الإمام أحمد بأن سيدنا وهبا كان يختلف إلى

قومه بعد إسلامهم؛ ليكذب أو يدس , والأقرب حمله على التودد والإرشاد , وقد

ترجم للحبرين ابن جرير الطبري في تاريخه بالجزء الثالث عشر في ضمن الناقلين

للأخبار من التابعين , وهو بصفته مؤرخ يحكي كل ما قيل فلم تصدر منه كلمة تشم

منها هذه الرائحة , بل بعكس ذلك أفاد ما يدل على جلالتهما , وحكى لسيدنا كعب

حادثة تدل على شدة ذكائه وتدينه فانظره.

(الثالث) أن نسبتهما إلى جمعيتين دبرتا قتل الخليفتين غير معقول من

الوجهة التاريخية , فإن الخليفة الثاني قتل سنة 23 ه , وسيدنا وهب قتل ظلما

أيضا سنة 110ه أو سنة 114ه فيكون بينهما تسعون عاما (كذا) تقريبا , فلا

يبعد أن يكون لم يولد وقت قتله , وسيدنا كعب كان مقيما بالشام بعيدا عن الفرس ,

وجمعية السبئيين لم تؤلف بعد؛ لأن عبد الله بن سبأ رئيسها لم يظهر إلا في خلافة

سيدنا عثمان , وأكثر المؤرخين على أن قتل الخليفة الثاني فردي (كذا) وأن

الذي قتله هو أبو لؤلؤة غلام سيدنا المغيرة بن شعبة الذي بعثه وهو عامل على

الكوفة ليقوم بالصنائع التي تنفع المسلمين , وكان ضاربا عليه مائة درهم في الشهر

فتظلم منها إلى الخليفة , فلم يرها كثيرة فحنق عليه وقتله بعد أيام , وحينئذ لم يكن

مرسلا من جمعية سرية.

والخليفة الثالث قتل سنة 35 ه , فبينه وبين سيدنا وهب نحو الثمانين عاما

فإن كان وجد فالأقرب أنه كان حينئذ في سن الطفولة , وإقامته كانت بصنعاء بعيدا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٣