إلى بوارها , فلذلك كان مبدأ الاستقلال مقدما في أوربة على مبدأ سلطة الأصلح ,
فمما لا شك فيه أن إدارة ألمانية هي أصلح من إدارة بولونية , وأن ألمانية أقدر على
إفادة سليزية من بولونية , ولكن تفوق الألمان على البولونيين في الإدارة والعلم لا
يسلب البولونيين حق الاستيلاء على ما أهله بولونيون من سليزية، كذلك الإنكليز
أقدر من الأيرلنديين على إدارة أيرلندة , ولكن أوربة ترى حقا أن يتولى الأيرلنديون
إدارة أنفسهم؛ لأنهم شعب مستقل بنفسه وهلم جرا.
والظاهر أن بعض الذين يدعون التمحض في العربية ولا نرى منهم هذا
التمخض إلا فيما يتعلق بعداوة الأتراك ضائقة صدورهم بنفرة العرب من الإنكليز
وعدم انقيادهم لهذه (الأمة الراقية) , وأكثر سخطهم هو على أهل اليمن؛ لأنهم
سمعوا أن اليمن بقي أثناء الحرب متمسكا بالدولة العثمانية , لا بل حارب الإنكليز
ومحاربة اليمانيين للإنكليز زلة لا تغتفر , ورفض الإمام يحيى عقد أي معاهدة مع
الإنكليز شيء مؤسف عندهم , ودليل على قوة النعرة الدينية في اليمن وعلى كونهم
يميلون إلى الأتراك بسبب الجامعة الإسلامية، فهذا مما ينبغي أن لا يكون , وأرقى
رجال العرب عند هذه الفئة هو الحسين لكونه عاهد الإنكليز وحالفهم , ولو كانت
نتيجة هذه المحالفة ما كانت.. وكأن الحسين الآن يهتم أنامله عضا من الندم، ويليه
ابن سعود في الرقي لكونه عاهد الإنكليز ولم يحاربهم، فهذه شهادة لا بأس بها بحقه،
ولكنه لا يبلغ درجة الحسين الذي رضي أن يحالفهم ويحارب في صفوفهم , وأما
الإمام يحيى فهو أشد أمراء العرب تأخرا، أفلم تعلم أنه حارب الإنكليز , وأنه
يعتصم بالجامعة الإسلامية؟
نعم إن أهل اليمن والإمام يحيى مسلمون ويريدون أن يبقوا مسلمين كأهل نجد
وأهل الحجاز وغيرهم , وكما يريد أن يبقى أهل أوربة مسيحيين وأهل أيرلندة
كاثوليكا وأهل الأولستر من أيرلندة بروتستانتا، وليس أهل اليمن ببدع في هذا
الأمر , بل حسبهم أن يقتدوا بالعالم المتمدن في المحافظة على دينهم , وأما نفور
أهل اليمن من الإنكليز فلكون الإمام يحيى وكبار اليمن يعلمون أنه لا يوجد في نظر
الإنكليز أمة ينبغي لها سلب الاستقلال بل الاضمحلال مثل العرب , فإنه ما دامت
الهند موجودة في الدنيا فأعدى أعداء الإنكليز هم العرب , وأكره شيء إلى إنكلترة
هو قيام دولة عربية مستقلة تحول بين إنكلترة وبين هندها , فالإمام يحيى لم يخف
عليه الذي خفي على غيره وعلم موطن الداء وتجنبه , وحافظ على ولاء الأتراك لا
حبا بالأتراك بل بوطنه وأمته، لأنه يعلم أن الإنكليز هم أعداء العرب , ولا يجهل
أطماعهم في اليمن , ويرى من الحكمة أن يمد يده إلى الأتراك ليكونوا وإياه على
الإنكليز وعدو العدو صديق كما لا يخفى.
وأما تعليم هؤلاء لمثل الإمام يحيى العربية والعروبية فهو والله من أبدع
النكبات التي سمعناها , إذ إن لم يكن الإمام يحيى عربيا وملجأ للعرب فمن هو
العربي يا ترى؟ يعيبون الإمام يحيى بموالاة الأتراك ومن من العرب قاوم الأتراك
مقاومة الإمام يحيى؟ ومن ذا الذي جرد عليه الأتراك المرة والمرتين والثلاث المائة
تابورا والمائة والخمسين تابورا وعجزوا عن تدويخه؟ أفمثل هؤلاء يعير الإمام
تحيى بنقص الحمية العربية؟ وهل الملك حسين كان قادرا على الوقوف في وجه
الأتراك لولا وجوده في صف الإنكليز؟ فلو كان الإمام يحيى انحاز إلى الإنكليز
أثناء الحرب لكان (راقيا) ولو خدعه الإنكليز كما خدعوا الحسين لكان معذورا كما
معذور الحسين.. إذ كان يكفيه من الشرف أنه يكون عاهد الإنكليز أعداء المسلمين
عموما والعرب خصوصا , وحارب في صفوفهم , وأثبت عدم مبالاته بالرابطة
الإسلامية , وبرهن على رقي أفكاره.. . وبعد ذلك فليكن ما كان أوليس أنه يكون
قد حارب الأتراك وحالف الإنكليز؟