هو إلا لكونهم مسيحيين , وربما قيل: إن أوروبة ربما لم تكن تعلم بما وقع من
المصائب على المسلمين ولو علمت ذلك في حينه لم تتأخر عن إغاثتهم، وجواب
هذا بل أوربة كانت محيطة علما بكل شيء , وأتذكر أنني قرأت تلغرافا في جريدة
الطان بتاريخ أحد أيام تموز سنة 1920 واردا إليها من مراسلها في القوقاس يذكر
المذابح التي قد أوقعها الأرمن بالمسلمين في بلاد أريفان , وأنهم في يوم واحد ذبحوا
منهم عشرة آلاف، وأن مئات ألوف منهم جلوا إلى إيران وآذربيجان وكرجستان
إلخ , ومثل ذلك المذابح التي أوقعها الأروام بالترك في ولاية أزمير وبنفس أزمير
ولا سيما بايدين، وقد كانت بمرأى من كثير من الأوربيين، وأقام بعضهم أشد
النكير عليها، وبعد ذلك طلبت حكومة الآستانة من أوربة التحقيق بواسطة لجنة
دولية , فذهبت وفحصت وثبت وقوع المذابح , وعادت فألقت بتقريرها إلى مؤتمر
باريس وجرى توبيخ الحكومة اليونانية على ما جرى , وهذا كل ما وقع , إنما
جمعية الصليب الأحمر في سويسرة التي لا ينكر أحد ما لها من المساعدات في هذه
المواقف عندما أرسلت وفدا لإغاثة منكوبي الأروام , لم يسعها إلا أن تشرك معهم
منكوبي الأتراك.
وبالاختصار لا يوجد عاقل يقدر أن يقول: إن المسلمين هم والمسيحيين شرع
في نظر أوربة , والشاهد (الأخير) أنه لو كان أهل الريف مسيحيين لكان الريف
قد امتلأ اليوم ببعثات الصليب الأحمر من أوربة وأميركا وبالأطباء والصيادلة
والمتطوعين والممرضين , أهل الريف مسلمون , فلذلك لا يساعدهم من أوربة أحد
حتى في الأمور العائدة للإنسانية , ومهما قتل الأسبانيول منهم فأوربة تجد ذلك أمرا
طبيعيا , وإذا ماتوا من الجوع تأسف بعض الأوربيين عليهم من بعيد [2] .
إذا فمن النفخ في غير ضرم أن نقنع المكابر بأنه ما دامت حالة أوربة
الروحية هي هذه فالعالم الإسلامي لا يمكنه ترك عواطفه الدينية , ولا نبذ تلك
الرابطة ظهريا [3] .
وكذب وبهتان واختلاق على الناس دعوى بعضهم أن الرابطة الإسلامية تدعو
العربي أن يكون عبدا للتركي؛ لأن الإسلام سوى بين المسلمين ومن من المسلمين
ظلم أخاه حق لهذا أن يدفع عنه ظلمه {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من
سبيل} (الشورى: 41) , وكل من يثير هذه الدعوى التي لم يقل بها أحد ملقيا
على دعايته الإفرنجية ستار الحمية العربية , فإنما هو داعية إلى السيطرة الأوربية
على المسلمين يحاول أن يهونها عليهم ويسيغها في حلوقهم، فتجده بكرة وأصيلا
يكرر ألفاظ: تركيا وترك وأتراك ومستتركين , وهو ينسى أن هذه الجعجعة لا
تخفي شيئا من الحقائق , وأنه لم يقل أحد: بجواز استعباد الأتراك للعرب ولا لغير
العرب حتى ولا للروم ولا للأرمن , ولكن كنا نحب أن نرى حمية هؤلاء الأدعياء
في العربية الذين يلقون دروس العروبة على مثل الإمام يحيى وابن سعود
ويتهمونهما بالشعوبية , كنا نحب أن نراها تظهر في مقاومة الإنكليز وغيرهم من
الأمم المستعمرة الأوربية , والحال أن ضمائرهم التي تنطوي على السرور بخضوع
المسلمين (لأمة راقية مثل أميركا) قد ينم عليها مثل هذه الجملة وغيرها مهما
حاولوا الإنكار , فإذا كان يجوز خضوع المسلمين لأمة راقية كأميركا فلماذا لا
يجوز خضوعهم لأمة راقية كإنكلترة أو لأمة راقية كفرنسة مثلا؟ فقد ظهر من هنا
المرمى والمغزى من هذه الدعاية ولو تظاهر المتظاهر بالعكس.
وأما الإسلام فلا يأمر بإطاعة الظالم سواء كان ذلك تركيا أو عربيا , ولكنه لا
يجيز إطاعة غير أهله , وهو في هذا مطابق للروح الأوربية التي معناها استقلال
كل أمة بنفسها وعدم قبول سلطة أجنبية عليها، ولو كانت تلك السلطة صادرة من
أمة أرقى من تلك الأمة , فإن درجات الرقي لا تصح في أوربة فيصلا لمسألة
الاستقلال , وكل أمة تعتقد أن حكم أمة أخرى عليها ولو كانت أرقى منها يفضي