تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن المتعصبين الذين يقطع بعضهم إصبع من رفع سبابته تقليدا لمن حرمه

من أهل مذهبهم لا يعلمون أنهم هم الذين يرتكبون المحرم بالإجماع؛ عقابا على

الواجب أو المندوب بالإجماع، أو بما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا

على مخالفة سنته صلى الله عليه وسلم كما سمعته بأذني من بعض طلاب العلم

الأفغانيين في مسجد لاهور الجامع في الهند، وقد سألتهم عن صحة ما نقل عن

بعض أهل بلادهم في ذلك، فقالوا: نعم وعللوه على مخالفة الرسول صلى الله عليه

وسلم وترك سنته: أي وعلى عداوة شرع الله تعالى واستحلال ما حرمه، إذ قال

بعض فقهاؤهم: بتحريم رفع الإصبع في التشهد، والتحريم في عرف أهل الأصول

خطاب الله المقتضي للترك اقتضاء جازما. وأين هذا الخطاب الإلهي القطعي؟ هل

هو قول مثل الكيداني المصرح بمخالفة أهل الحديث؟

إن الأحكام العملية التي هي موضوع الفقه منها ما ثبت بالدليل القطعي المجمع

عليه: كأركان الإسلام، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو ما يكون

باتباعه المؤمن به مسلما، وبجحده أو استحلال مخالفته كافرا، وبمخالفته فاسقا على

التفصيل المعروف، ومنها ما هو محل النظر والاجتهاد، وهو الذي وقع فيه

الخلاف بين علماء الأمة للاختلاف في رواية النصوص أو في دلالتها، أو لعدم

العلم بالنص والرجوع في الاستنباط إلى القواعد العامة أو القياس المختلف في

حجيته [1] ، وكانوا متفقين على أن من خالف مضمون نص لم يبلغه، أو معنى

نص غير قطعي الدلالة؛ لأنه لم يظهر له أو بذل جهده في استبانة مراد الشارع في

مسألة فترجح عنده فيها شيء فعمل به مخطئا - فهو معذور، فهل يكون بمخالفته

اجتهاد غيره مأزورا غير معذور؟ .

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل قوله تعالى في الخمر والميسر:

﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ (البقرة: 219) نصا في تحريمهما على جميع الأمة،

وإنما حرمهما به من فهم منه الدلالة على التحريم، فترك شرب الخمر والمقامرة -

وهو ما يقطع بمثله الفقهاء كافة - حتى إذا ما نزل فيهما وفي الأنصاب والأزلام أن

ذلك كله ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ (المائدة: 90) والأمر القطعي بالتحريم

وهو قوله تعالى: ﴿فاجتنبوه﴾ (المائدة: 90) إلى قوله تعالى: {فهل أنتم

منتهون} (المائدة: 91) أجمعوا على تركه، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم

تشريعا عاما يخاطب به كل مؤمن، وأهرق جميع الصحابة الذين كانوا يشربون

الخمر ما كان عندهم منها؛ فأخذ علماء السلف من هذا أن التشريع العام ما كان بهذه

الدرجة من الصحة والصراحة القطعية في النصوص، وأن ما دونه مما فيه مجال

للاجتهاد في الرواية أو الدلالة محل سعة، لا يكلف كل مؤمن الأخذ به، وإنما

يكلفه من ثبت عنده أو وثق بعلم مفتيه به ودينه فقلده فيه، ولم يكونوا يبيحون أن

يكون مما يجبر عليه أحد أو تفرق كلمة المسلمين فيه، وقد كان النبي صلى الله

عليه وسلم يقر كلا من المختلفين في الفهم على اجتهاده فيما هو محل الاجتهاد،

كمسألة نهيه عن صلاة العصر إلا في قريظة: أقر من أخذ منهم بمنطوق النهي فلم

يصلها إلا في قريظة، ومن صلى أولا ثم أدرك معه قريظة؛ لأنهم فهموا أن المراد

من النهي عدم التخلف عن الخروج وإدراك قريظة في الوقت المراد.

وبناء على هذا لم يرض الإمام مالك - رحمه الله تعالى - أن يحمل المنصور

العباسي جميع المسلمين على العمل بموطئه على ما كان من تحريه في روايته، ومن

مواطأة علماء دار الهجرة له عليه - وبناء عليه كان الإمام المجتهد منهم ينهى من

يستفتونه أن يتخذوا فتواه دينا يتقلدونه، أو أن يجعلوه سببا للتفرق - وبناء عليه

كان أحدهم يأخذ باجتهاد غيره؛ ترخصا أو موافقة لجماعة المسلمين.

روي عن الإمام أحمد أنه كان يرى الوضوء من الجحامة والفصد، فسئل

عمن رأى الإمام احتجم وقام إلى الصلاة ولم يتوضأ، أيصلي خلفه؟ فقال:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١١١