تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبلغني أن بعضهم كسر سبابة مصل؛ لرفعه إياها في التشهد، وقد بلغ من إيذاء

بعض المتعصبين لبعض في طرابلس الشام في آخر القرن الماضي أن ذهب بعض

شيوخ الشافعية إلى المفتي، وهو رئيس العلماء وقال له: اقسم المساجد بيننا وبين

الحنفية؛ فإن فلانا من فقهائهم يعدنا كأهل الذمة بما ذاع في هذه الأيام من خلافهم

في تزوج الحنفي بالشافعية، وقول بعضهم: لا يصح لأنها تشك في إيمانها؛ لأن

الشافعية وغيرهم من الأشعرية يجوزون أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله،

وقول آخرين: بل يصح نكاحها قياسا على الذمية.

فأين هذا التعصب والإيذاء والتفريق بين المسلمين بالآراء الاجتهادية من

تساهل السلف الصالح، وأخذهم بما أراده الرحمن من اليسر في الشرع وانتفاء

الحرج فيه، واتقائهم التفريق بين المسلمين بظنون اجتهادية، رجح بها كل ناظر ما

رآه أقرب إلى النصوص أو إلى حكمة الشارع، حتى كان أشهر الأئمة لا يستحلون

الجزم بالحكم فيها، فيقول أحدهم: أكره كذا، أو أستقبحه، أو أخشى أن يكون كذا

أو لا ينبغي ولا يصلح ولا يعجبني أو لا أحبه ولا أستحسنه، ويقول في مقابل ذلك:

يفعل السائل كذا احتياطا أو أحب كذا أو يعجبني أو أعجب إلي وهذا أحسن.

هكذا كان يقول الإمام أحمد في المسائل الاجتهادية أو فيما لا نص صحيح

صريح فيه من الكتاب أو السنة، ويؤثر نحوه عن غيره، ولكن مدوني المذهب جعلوا

هذه التقوى والورع في التشريع قواعد له في أحكام التكليف وطرق الاستنباط

والاستدلال، وصارت الحنابلة فرقة ذات مذهب مستقل في الفروع، بل صار

المتكلمون يعدونهم فرقة مستقلة في أصول العقائد أيضا، وإنما كان الإمام أحمد -

رحمه الله - تعالى إماما لجميع أهل السنة في الأصول والفروع؛ باستمساكه في

أصول الدين والعبادات بنصوص الكتاب والسنة، وما صح عن علماء الصحابة من

فهم وهدي وعمل مفسر لهما، ولكن أصحابه حرصوا على ما نقلوا عنه من فهم

واستنباط أن يضيع؛ فدونوه كما فعل سائل الأئمة وأصحابهم لا ليقلد لذاته بل لأجل

فتح أبواب العلم وتسهيله لطالبيه من الأفراد في العبادات ومن الحكام في الأمور

القضائية والدولية، وكانوا يقرنونه بأدلته؛ ليكون الدليل هو العمدة في العمل وفي

الترجيح بينه وبين غيره، ولم يقصد أحد منهم أن يكون شارعا أو كالشارع في

كونه يتبع لذاته، فضلا عن التزام طائفة من الأمة للتعصب له بمثل ما وقع، ولا

أن تفترق الطوائف المقلدة لكل منهم وتتعادى فتكون كمتبعي الشرائع المتعددة

المختلفة، هذه معاص مجمع على تحريمها.

قال الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي في أول مختصره المشهور بعد

البسملة ما نصه: قال أبو إبراهيم بن يحيى المزني، رحمه الله: (اختصرت

هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - ومن معنى قوله

لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه

ويحتاط لنفسه، وبالله التوفيق) اه.

وقال: ملا على القاري الحنفي المحدث في رسالته التي ألفها في إشارة

المسبحة: وقد أغرب الكيداني حيث قال: (العاشر من المحرمات الإشارة بالسبابة

كأهل الحديث) أي مثل جماعة يجمعهم العلم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم،

وهذا منه خطأ عظيم وجرم جسيم، منشؤه الجهل لقواعد الأصول ومراتب

الفروع من المنقول، ولولا حسن الظن به وتأويل كلامه بسبب، لكان كفره

صريحا، وارتداده صريحا، فهل لمؤمن أن يحرم ما ثبت فعله عنه صلى الله عليه

وسلم مما كاد نقله أن يكون متواترا، ويمنع جواز ما عليه عامة العلماء كابرا عن

كابر مكابرا، والحال أن الإمام الأعظم والهمام الأقدم قال: لا يحل لأحد أن

يأخذ بقولنا ما لم يعلم مأخذه من الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس الجلي في

المسألة) إلخ ما قاله ليثبت به أن قاعدة أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في

الاتباع تقتضي رفع المسبحة في التشهد؛ لثبوت الحديث به.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١١٠