كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب؟ وفي رواية أنه قال للسائل: أأنهاك
أن تصلي مع فلان وفلان؟ وكان أبو حنيفة وأصحابه يرون الوضوء من خروج
الدم، ولكن أبا يوسف رأى هارون الرشيد احتجم وصلى ولم يتوضأ - وكان مالك
أفتاه بأنه لا وضوء عليه إذا هو احتجم - فصلى أبو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة،
واغتسل أبو يوسف في الحمام وصلى الجمعة، ثم أخبر بعد الصلاة أنه كان في بئر
الحمام فأرة ميتة فلم يعد الصلاة، وقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل الحجاز: (إذا
بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ولم يكن هذا تقليدا منه؛ لأنه يعرف دليله وهو
حديث القلتين الذي ذكره، ولكنه غير قطعي الرواية والدلالة، كما أنه ليس دون
قولهم في حد الماء الكثير.
ونقل أن الشافعي - رحمه الله - ترك القنوت في الصبح لما صلى مع جماعة
الحنفية في مسجد إمامهم (لعله في المكان المعروف اليوم بالأعظمية من ضواحي
بغداد) ، فقال الحنفية: إنه فعل ذلك أدبا مع الإمام، وقال الشافعية: بل تغير
اجتهاده في ذلك الوقت، والظاهر مما تقدم أنه لم يرد أن يخالف جماعة من
المسلمين مخالفة عملية، في مسألة اجتماعية غير قطعية، فإن اختلاف الظواهر
من أسباب اختلاف البواطن، كما يؤخذ من حديث (عباد الله لتسون صفوفكم، أو
ليخالفن الله بين وجوهكم) رواه الجماعة من حديث النعمان بن بشير مرفوعا،
ولكن سقط من رواية البخاري كلمة (عباد الله) قال النووي في شرح مسلم بعد
ذكر حمل الوجوه على حقيقتها: والأظهر والله أعلم أن معناه يوقع بينكم العداوة
والبغضاء واختلاف القلوب كما تقول: تغير وجه فلان: أي ظهر لي من وجهه
كراهة؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر،
سبب لاختلاف البواطن اه، ويؤيده رواية أبي داود له بلفظ (أو ليخالفن الله بين
قلوبكم) ، ويؤيد المعنى من المعقول والتجارب ما ثبت من أن الاتفاق في العادات
واللباس من أسباب التآلف، والاختلاف فيها من أسباب التناكر والتنافر، فكيف إذا
كان الخلاف في الدين، وكان كل فريق يعتقد أن الآخر مخالف بمخالفته لله
ولرسوله؛ بدعواه أن ما عليه أهل مذهبه هو الحق، وما خالفهم فيه غيرهم باطل؟
ولكن المتعصبين للمذاهب لا يفقهون ما يفقهه مثل الشافعي من حكم الدين،
ومقاصده، فهم يتحرون مسائل الخلاف ويلتزمونها، من حيث يترك بعضهم العمل
بكثير من مسائل الاتفاق، وإن كانت مجمعا عليها، ولهم أشد استمساكا بخلاف
الذين يعيشون معهم، منهم بخلاف البعداء عنهم، فهم يقيمون في المسجد الواحد
جماعتين أو أكثر في وقت واحد، ويرسل بعضهم أيديهم ويقبضها بعض في الصف
الواحد.. . وبذلك جعلوا اختلاف الاجتهاد بين العلماء نقمة، على حين كان يعد
عند أولئك العلماء نعمة، وإنما سبب ذلك اتباع الأهواء، وتنازع الزعماء، الذين
ورد في وصفهم الأثر بأنهم أشد تغايرا من التيوس في زروبها، وما أغرى فقهاء
المذاهب المتبعة بالتعصب الذي أطال أبو حامد الغزالي نعيه عليهم في إحيائه إلا
حب الرياسة كما قال، بل ما أغراهم بالاشتغال بها دون غيرها، إلا ما بينه
المقريزي المؤرخ الحكيم من وقف الأوقاف عليها والتزام بعض الملوك والأمراء؛
لتقليد بعضها والحكم به، ولولا ذلك لفعلوا بأقوال أئمة هذه المذاهب ما فعلوه بأقوال
غيرهم من علماء الصحابة والتابعين من المزج وعدم الإفراد بالتأليف والتدريس.
وجملة القول أن التفرق بين المسلمين باختلاف المذاهب والآراء، وتعصب
كل شيعة لمذهب منها في الأصول أو الفروع هو من أكبر الكبائر الثابتة بنصوص
الكتاب والسنة القطعية المجمع عليها، ولا شيء منها بقطعي مجمع عليه، فمن
مقتضى أصولهم كلهم وجوب ترك كل أسباب هذا التفرق والاختلاف حتى قال
الغزالي في القسطاس المستقيم: بالاكتفاء بالعمل بالمجمع عليه، وعد المسائل
الظنية المختلف فيها كأن لم تكن.