تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

كعب الأحبار ووهب بن منبه

في انتقاد الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الرحمن الجمجوني علينا في جرحنا

لكعب الأحبار ووهب بن منبه أغلاط وآراء غير صحيحة، لو أردنا أن نبينها كلها

بالتفصيل لأخذنا من صحائف المنار ما لا يسمح لنا به جمهور القراء؛ فإنه أطال

الكلام فذكر انتقاده الأول وردنا عليه وتاريخ نشره، وأعاد بعض عباراتنا وعباراته

كما أعاد ذكر شبهته على ضرر جرح الحبرين بأنه يثير شبهات الملاحدة على

الإسلام وهو لاشتغاله بالزراعة كما قال لم يختبر في هذا الموضوع بعض اختبارنا

في ثلث قرن قضيناه في معالجة هذه الشبهات ومناظرة هؤلاء الملاحدة وأمثالهم من

خصوم الإسلام والرد عليهم قولا وكتابة، وقد ثبت عندنا أن روايات كعب

ووهب في كتب التفسير والقصص والتاريخ كانت مثار شبهات كثيرة للمؤمنين لا

للملاحدة والمارقين وحدهم، وأن المستقلين في الرأي لا يقبلون قوله: (إن كل من

قال جمهور رجال الجرح والتعديل المتقدمون بعدالته فهو عدل وإن ظهر لمن بعدهم

فيه من أسباب الجرح ما لم يظهر لهم) .

وأنا لا أتكلم فيما أطال به من المباحث الخارجة عن الموضوع ولا في الأقوال

والنقول في توثيق جمهور رجال الجرح والتعديل للحبرين كعب ووهب حتى النقل

عن المعاصرين الذين ليسوا منهم كالقاسمي والخولي والخضري وما يتعلق بذلك

من مدح بعض الأفراد أو الكتب الذي لا أنازعه فيه وإن لم يكن كله مقبولا عندي

وإنما أتكلم في أهم ما جاء به المنتقد في مقاله الأخير من تخطئتي في الموضوع

والاستدلال عليه فأقول:

الانتقاد الأول

عبارة الحافظ الذهبي في كعب (وله شيء في صحيح البخاري وغيره) ووقع

في قولنا وليس له شيء

....

ولا ندري الآن كيف وقع ذلك هل نقلناه من كتاب

آخر أو سبق به القلم لما هو معلوم عندنا من أن البخاري لم يرو عنه شيئا في

صحيحه؟ ومهما يكن من السبب فإننا نعترف بأن الذي في تذكرة الحفاظ هو

الإثبات كما ذكره.

***

الانتقاد الثاني

رمي معاوية لكعب بالكذب

اعترف المنتقد بأن ما رواه البخاري عن معاوية من قوله: إنهم كانوا يبلون

(أي يختبرون) الكذب على كعب الأحبار هو طعن شديد في عدالته، إذا أخذ على

ظاهره، وقد رده بما يأتي:

1- ادعى أن الصواب في العبارة أنها ثناء عليه بدليل ما نقل عنه في تهذيب

التهذيب (أي معاوية) من قوله فيه: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء إن كان عنده

لعلم كالثمار وإن كنا فيه لمفرطين.

ووجه الاستدلال بهذا عند المنتقد أن بين هذا القول وذلك القول تناقضا بين

عبارتي (خليفة من خلفاء الإسلام وصحابي من أكابر الصحابة هداه الأنام، مشهور

بحصافة الرأي ومعروف بالبلاغة) .. إلخ ما قاله في تعظيم معاوية مما يكاد

يجعله به معصوما من الخطأ مع إجماع أئمة السنة والشيعة على أنه كان باغيا على

أمير المؤمنين علي المرتضى، وترتب على بغيه عليه سفك دماء غزيرة وفتن

ومعاص لم يخلص المسلمون من شرها إلى هذا اليوم، والظاهر أنها ستبقى إلى يوم

القيامة.

نعم، يقول المتكلمون: إنه كان في بغيه متأولا لا متعمدا، وقد نقلوا من تأوله:

أنه لما احتج عليه بالحديث الصحيح في عمار بن ياسر (تقتله الفئة الباغية) ، قال:

إنما قتله من أخرجه! ! فرد عليه أمير المؤمنين علي لما بلغه ذلك أن رسول الله -

صلى الله عليه وسلم - هو الذي قتل عميه حمزة وجعفرا وغيرهما من شهداء بدر

وسائر الغزوات فهذا استطراد نقابل به استطراده في مدح معاوية بغير مناسبة

لغرضه.

والجواب عن هذا الفهم الغريب الذي قواه بالإطراء والثناء هو أن العبارتين لا

تناقض بينهما كما فهم، ففي كل منهما اعتراف بأن كعبا كان ذا علم كثير وثبوت

العلم الكثير لا يقتضي نفي الكذب؛ فكم من عالم كان أعلم من كعب الأحبار وكان

يكذب، إن علم كعب كان جله عندهم ما يرويه عن التوراة وغيرها من كتب قومه

وينسبه إليها ليقبل ولا شك في أنه كان من أذكى علماء اليهود قبل إسلامه، وأقدرهم

على غش المسلمين بروايته بعده، ومن كبار علماء التفسير الذين رماهم المحدثون

بالكذب السدي الصغير - وكذا الكبير - والكلبي وأمثالهم كثيرون. والأستاذ المنتقد

نسي ما قاله العلماء في تعريف التناقض، وشروط تحققه، أو لم يقرأ المنطق، فإن

كان معاوية معصوما منه فهذه العصمة لا تخدش ما فهمه هو من عبارتيه، وهما لا

تدلان عليه.

2 - قوله: إن العبارة المذكورة لا تصلح من حيث تركيبها العربي دليلا على

أقل ألفاظ هذا التجريح قال: (فإن إسناد الكذب فيها إلى الكتاب باعتبار ما فيه من

التبديل أقرب من إسناده إلى (كعب) كما قرره شراح البخاري (ولأنه أقرب مذكور)

ثم ادعى أن جميع شراح البخاري فهموا من هذه العبارة توثيق معاوية لكعب (! !)

(وأن الخليفة ابتلى الكذب على الكتاب نفسه لما فيه من التحريف والتبديل بناء

على عود الضمير إلى أقرب مذكور) وليس الأمر كذلك.

أسدل المنتقد على هذه الدعوى بعبارة نقلها عن فتح الباري في شرحه لكلمة

معاوية فتصرف فيها كما يشاء، وهي لا تدل على دعواه ولا توضحه كما ادعى

وإنما هي عبارة عن تفسير لفظ الكذب بقول الحافظ: (أي يقع بعض ما يخبرنا

عنه بخلاف ما يخبرنا به) ، ولكن زاد عليها المنتقد (فلفظ يقع يدل على أن المخبر

به أمور من قبيل ما يسمونه ملاحم ولا علاقة لذلك بأمر الدين الإسلامي) .

أقول: هذا فهم غريب جدا جدا؛ فإننا لا نعلم أن أحدا من علماء اللغة فسر كلمة

يقع بما فسرها به، فمن أين جاءته هذه الدلالة؟ أما والله إن من يفهم مثل هذا

الفهم ويكتبه في انتقاد علمي ليس جديرا بأن يرد عليه في شيء.

قال المنتقد بعد هذا: ثم نقل الحافظ ابن حجر عقب رأيه الشخصي المذكور

عبارة ابن التين على طولها، وعبارة ابن حبان في توثيق كعب بما يقرب من هذا

المعنى. اه

وأقول الحق عبارة ابن التين قصيرة لا طويلة وهذا نصها: وهذا نحو قول

ابن عباس في حق كعب المذكور: بدل من قبله فوقع في الكذب، قال: والمراد

بالمحدثين أنداد كعب ممن كان من أهل الكتاب وأسلم فكان يحدث عنهم، وكذا من

نظر في كتبهم فحدث عما فيها، إلا أن كعبا كان أشد منهم بصيرة وأعرف بما

يتوقاه، وقال ابن حبان في كتاب الثقات: أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر

به ولم يرد أنه كان كذابا. اه

وأقول: إن عبارة الحافظ وعبارتي ابن التين وابن حبان لا يدل شيء منها على

ما ادعاه المنتقد وأورد العبارات لتأييده وتوضيحه وهو أن نص عبارة معاوية

العربي لا يدل على وصفه بالكذب بل يدل على الثناء وتوثيقه؛ لأنه يتعين أن

يكون قوله: (نبلو عليه الكذب) للكتاب لا لكعب، وإنما هي إيراد احتمال في

سبب الكذب وتسميته خطأ، ولكن الحافظ نقل احتمال عود الضمير إلى الكتاب عن

مجهول وعن القاضي عياض صحة الوجهين وسيأتي ما فيهما.

ثم قال المنتقد: (أما القسطلاني فابتدأ شرح الموضوع بتوجيه الاحتمالين في

مرجع الضمير مباشرة ثم نقل عن الحافظ ابن الجوزي المعروف بتشدده في التعديل

ما نصه توثيقا: (يعني أن الكذب فيما يخبر عن أهل الكتاب لا منه؛ فالأخبار التي

يحكيها عن القوم يكون في بعضها كذب، فأما كعب الأحبار؛ فمن خيار الأحبار) .

(وكذا عبارة العيني والكرماني والسندي وهو آخر من كتب على البخاري

فيما نعلم) . اه

أقول: هذا الذي عزاه إلى القسطلاني أيضا تلبيس وإيهام، وأجله عن تسميته

كذبا ككذب كعب الأحبار، فالمقام مقام إيراد شواهد على ما ادعاه من كون عبارة

معاوية لا تدل بنصها العربي على إسناد الكذب إليه بل تدل على إسناد الكذب إلى

الكتاب؛ لأنه أقرب مذكور (!) والقسطلاني لم يوجه الاحتمالين في مرجع

الضمير مباشرة كما فهم خطأ أو أدعى، وإنما جزم برجوع الضمير إلى كعب وذكر

رجوعه إلى الكتاب بصيغة التمريض (قيل) لأنه ضعيف بل غلط وهذا نص

عبارته:

(الضمير المخفوض بعلى يعود على كعب الأحبار يعني أنه يخطئ فيما

يقوله في بعض الأحيان، ولم يرد أنه كان كذابا، كذا ذكره ابن حبان في كتاب

الثقات) .

وقيل: إن الهاء في (عليه) راجعه إلى الكتاب من قوله: إن كان من أصدق

هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب. قال القاضي عياض وعندي أنه

يصح عوده على كعب أو على حديثه، وإن لم يقصد الكذب أو يتعمده كعب؛ إذ لا

يشترط في الكذب عند أهل السنة التعمد بل هو إخبار بالشيء على خلاف ما هو

عليه، وليس في هذا تجريح لكعب بالكذب، ثم ذكر بعدها عبارة ابن الجوزي

المارة.

فظهر بهذا أن القسطلاني جزم بأن الضمير يعود على كعب خلافا لما قال

المنتقد، وأنه تبرأ من قول ابن حبان: بأن معاوية لم يرد بقوله: إنه كان كذابا

لقوله: كذا قال ابن حبان، وإن نص القاضي عياض ليس فيه احتمال عود

الضمير إلى الكتاب بل هو راجع إلى كعب نفسه أو إلى حديثه المفهوم من فعل

يحدثون؛ إذا لم يقل باحتمال عوده إلى الكتاب إلا ذلك المجهول الذي عبر عنه الحافظ

بقوله (وقال غيره) بعد عبارة ابن حبان، وقال القسطلاني في حكايته:

(وقيل) .

والقول الفصل في هذه المسألة أن المتبادر من عبارة معاوية الذي يفهمه كل

من يعرف اللغة العربية من إطلاقها، أن الضمير راجع إلى كعب الأحبار نفسه كما

فسرها ابن حجر والقسطلاني والجمهور، وذلك أن الكتاب لم يذكر في العبارة عمدة

مستقلا فيعود عليه الضمير، وإنما ذكر مضافا إليه كلمة أهل، فأهل الكتاب هم

العمدة في العبارة، وإنما قاله مجهول لا قيمة لقوله لمخالفته للمتبادر الذي جرى

عليه الجمهور، وهذا يدحض دعوى المنتقد أن عبارة معاوية لا تدل بنصها

العربي إلا على عود الضمير على الكتاب، ودعواه أن الجمهور جروا على هذا،

والسياق يقتضي أن تكون كلمة معاوية في ابتلاء الكذب عليه استدراكا على ما قبلها،

إذ قال: إلا أننا كنا نبلو عليه الكذب - ولا معنى لهذا الاستثناء على القول

باحتمال عود الضمير إلى الكتاب.

غاية الأمر أن هؤلاء الشراح لما كانوا مقلدين لمن عدل كعبا من رجال الجرح

والتعديل أولوا عبارة معاوية بما علمت من كونه غير متعمد للكذب إذ كان ناقلا له

عن غيره؛ وأنه كان مخطئا لا كذابا ... إلخ، وهذه غفلة منهم عن الواقع وهو أنه

كان يزعم أنه ينقل عن الكتاب نفسه لأنه قرأ الكتب وما كان حبرا عند اليهود إلا

بذلك ولم يكن راويا لها عن غيره، على أن التأول له بتسمية الكذب خطأ جرح له

ينافي صحة روايته ولكن لا يقتضي أنه وضاع كما أثبتنا بالدليل.

3 - ادعاؤه أن غرض معاوية مما ذكره للقرشيين في سياق الكلام عن رواة

الإسرائيليات (إرشادهم إلى الثقة بما صح سنده إلى كعب مما حدث به عن كتب

أهل الكتاب القديمة) إلخ.

وضرب المنتقد مثلا لذلك ما نقله عنه الحافظ في الفتح أن النبي - صلى الله

عليه وسلم - موصوف في التوراة بصفة واضحة حيث قال في السطر الأول منها:

(محمد رسول الله عبدي المختار مولده بمكة ومهاجره المدينة وملكه بالشام) .

أقول ذكر المنتقد في دعواه هذه المسألة الثقة بما صح سنده عن كعب مبنية

على ما سيأتي التنبيه عليه من ادعائه، إن كل ما ينتقد من المرويات عنه فآفته

الرواة عنه، وهذه القاعدة لم تكن مما يخطر ببال في معاوية إذ كان معاصرا لكعب

وسمع منه هو وأهل عصره، ومن لم يسمع مروياته من أولئك القرشيين منه فقد

سمعها ممن سمعها منه، ولم يكن هذا يسمى سندا، ولا كان في زمن معاوية شيء

من هذا الاصطلاح ولا من هذا البحث، وسياق الكلام يأبى هذه الدعوى كما يأبى ما

قبلها؛ وهو أن معاوية ذكر عبارته عند ذكر كعب، فالكلام فيه لا في الكتاب وقد

فضله على غيره من المحدثين عن أهل الكتاب، وجعل قوله: (وإن كنا مع ذلك

لنبلو عليه الكذب) ، غاية واستدراكا على تفضيله على غيره منهم كما أشرنا إليه

في المسألة الثانية من هذا الانتقاد.

هذا وإن ما اعترف المنتقد بصحته من رواية كعب عن التوراة من وصف

النبي - صلى الله عليه وسلم - كذب على التوراة أيضا وبمثلها كان يخدع المسلمين،

ولو كانت هذه العبارة في التوراة لرواها من أسلم على يدي النبي - صلى الله

عليه وسلم - من أحبار اليهود كعبد الله بن سلام وجماعته رضي الله عنه ولنقلت

بالتواتر ولكان لها شأن عظيم، إذ لا يمكن للمعاندين تأويلها كما أولوا البشارات

غير الصريحة بهذا المقدار.

4- قد افتات المنتقد على البخاري كما افتات على معاوية في بيانه لغرض كل

منهما: غرض هذا من عبارته وغرض ذاك من ذكرها في ترجمة الباب الذي عقده

للنهي عن سؤال أهل الكتاب عن شيء. قال: إن غرض البخاري يؤخذ من قول

العيني في مطابقة عبارة معاوية لترجمة الباب وهو (مطابقته للترجمة في ذكر كعب

الأحبار الذي كان يتحدث من الكتب القديمة ويسأل عنها أحبارهم) قال المنتقد ومنه

يعلم أن غرض البخاري هو الاحتجاج بكعب الأحبار في دفع التعارض بين النهي

في الترجمة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)

وبين الأمر في قول الله تعالى ﴿فاسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (يونس:

94) بأن كعبا كان ممن يسألون؛ لأنه قرأ الكتاب من قبل ثم أسلم.. والنهي كان

عن سؤال من لم يسلم، وقد جعل المنتقد هذا الاستنباط الباطل أدل على توثيق

البخاري لكعب من روايته عنه التي اعتذر عنها بعدم توفر السند الصحيح إليه كما

تقدم في مقاله.

أقول: عبارة العيني لا تدل على ما استنبطه منها فإن الباب كله في النهي

عن أخذ شيء عن أهل الكتاب؛ لأن شرع الإسلام ناسخ لشرعهم؛ ولأن نبي الإسلام

خاتم النبيين، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعه كما صح مرفوعا، ولأنهم لا

يهدون المسلمين وقد ضلوا، كما في أحاديث الباب وما ذكروه في شرحها،

والظاهر أن غرض البخاري من إيراد عبارة معاوية تأكيد عدم الثقة بما ينقل عنهم

حتى إن كعبا الذي كان يعد من أصدق المحدثين عنهم كانوا قد اختبروا عليه الكذب

أي فكيف يوثق بما ينقله غيره عنهم؟ ولا ينافي هذا ما ذكره بعضهم من الاعتذار

عن كذب روايته بأن سببها كذب من أخذ عنهم لا كذبه هو.

هذا وإن البخاري لم يذكر في هذا الباب قوله تعالى: {فاسئل الذين يقرءون

الكتاب من قبلك} (يونس: 94) فيصح قوله: إنه أراد الجمع بينه وبين حديث

الترجمة وإنما ذكره الحافظ في آخر الكلام عليها من الفتح استطرادا لمناسبته

للموضوع فلا يدل إيراده له على شيء مما استنبطه المنتقد بفهمه الغريب للكلام.

والتحقيق أنه لا تعارض بين الآية والأحاديث فيحتاج إلى الجمع بينهما وأن

هذا الجمع على تقدير التعارض غير صحيح.

أما الأول؛ فإن الأمر بسؤال أهل الكتاب في آية يونس ليس أمرا تكليفيا لا

يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من عهدته إلا بسؤالهم فيقال: إنه أمره بسؤال

من آمن منهم، بل هو أمر في معنى الخبر مبني على فرض المحال وهو شك النبي

- صلى الله عليه وسلم - في الوحي الذي أنزل إليه مطلقا أو في قصة موسى من

سورة يونس الذي أنزل في آخرها {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسئل الذين

يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} (يونس: 94) فهذا التعبير يراد به أن ما في هذه السورة من قصة موسى معروف

عند أهل الكتاب في كتابهم بحيث لو سئلوا عنه لما استطاعوا إنكاره، قد ورد في

التفسير المأثور عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه صلوات الله وسلامه عليه لم

يشك ولم يسأل، وروي هذا مرفوعا أيضا، وبعض المفسرين أورد فيها وجوها

أخرى للتفصي من جعل هذا الأمر بسؤالهم على ظاهره، وليس هذا بمحل لاستيفاء

تفسيرها.

وأما الثاني فلأن هذه الآية كالسورة التي أنزلت فيها مكية ولم يكن في ذلك

الوقت أحد من اليهود قد أسلم فيصح الجمع الذي قيل والأمر حقيقيته للحال.

***

الانتقاد الثالث

جعله كعبا من رجال البخاري

نقلنا عن تهذيب التهذيب قول الحافظ ابن حجر: إن صاحب التهذيب أخطأ

في وضعه علامة البخاري وهي حرف (خ) عند ذكره؛ لأنها تدل على رواية

البخاري عنه في صحيحه، وهو لم يرو عنه شيئا وإنما ذكر ما قاله فيه معاوية -

فزعم المنتقد أن هذه التخطئة من الحافظ في غير محلها، واستدل على ذلك بما

استنبطه هو من كون عبارة معاوية توثيقا لكعب وكون البخاري أراد بذكرها بيان

هذه الثقة به كما تقدم آنفا، وعد هذا الفهم منه احتجاجا من البخاري بكعب وقال:

وباعتبار أن البخاري اعتمد في كتابه على الرواة، والمحتج بهم يصح أن يطلق

على كل منهما أنه من رجال البخاري وأنه أخذ عنه (كذا كذا) بلا فرق بينهما.

(كذا كذا بحروفه) .

وبنى على هذا تصويب صاحب تهذيب الكمال في وضع علامة البخاري

بجانب اسم كعب، وتخطئة الحافظ ابن حجر في انتقاده له وقال (وجل المنزه عن

الخطأ) .

ثم استدل على عدم جزم الحافظ ابن حجر بغلط صاحب تهذيب الكمال بإبقائه

حرف الخاء بجانب اسم كعب في تهذيب التهذيب، قال: فلو كان جازما بغلط

صاحب التهذيب في ذكر هذا الحرف لحذفه هو من كتابه (كذا! !)

أقول: لا شك أن أهل العلم بالحديث وباللغة قد تعجبوا من نشري لانتقاد هذا

الأستاذ، وأن سائر قراء المنار سيتعجبون عند قراءة هذا الرد من صبري في كتابته

وسماحه بصفحات المنار وبما هو أثمن منها وهو الوقت النفيس الذي صرف

فيه. وأعتذر لهم بأن سبب هذا حسن ظني بإخلاص المنتقد وإعلامه بقيمة مبلغ

فهمه ليكون عونا له على الفهم والاستدلال كما أراد هو إفادتي وإفادة قراء المنار

بنقده.

إذا لا بد لي من التصريح له بأن جميع المحدثين الذين وضعوا في كتبهم

رموزا من الحروف لمخرجي السنن والآثار، قد وضعوا حرف (خ) لرجال

البخاري الذين روى عنهم في الجامع الصحيح خاصة، بل لما روي عنهم الأخبار

والآثار المسندة بشروطها عنده دون التعاليق فقد وضع لها صاحب تهذيب التهذيب

فيه (خت) وقد وضعوا لسائر كتبه كالأدب المفرد وكتاب رفع اليدين وكتاب

أخلاق العباد رموزا أخرى معروفة، فلا يصح عندهم بحال من الأحوال أن يسمى

كل من عدله ووثقه من رجال الجامع الصحيح وأن يوضع حرف (خ) رمزا له.

فإن فرضنا أن ما استنبطه المنتقد من تعديله لكعب صحيح في نفسه لم يكن

مجوزا أن يعد من رواته في الجامع الصحيح الذين وضعوا لهم حرف الخاء.

والبخاري قد عدل في تاريخه كثيرا من الرجال وروى عن بعضهم في تعاليق

جامعة بصيغة الجزم وعن بعضهم في غير جامعة ولم يعدهم أحد من رجاله أي

رجال الجامع الصحيح.

وأما استدلاله بإبقاء الحافظ ابن حجر لحرف (خ) في مختصره على ما ذكر

مع تصريحه بتخطئة صاحب التهذيب فيه فهو من السقطات التي نذكرها آسفين

لصدورها عنه، كما نأسف لقوله: إنه لم يوافق الحافظ أحد المتقدمين والمتأخرين

على التعجب من عد كعب من رجال البخاري، مع عدم مماراته هو في عدم روايته

عنه شيئا مسندا في صحيحه! ! ! وكيف يوافقه من قبله؟ ومن ذا الذي خطأه ممن

بعده؟ فإن فرضنا أن أحدا مثل المنتقد خطأه فماذا يضره والدليل معه.

(للكلام بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٧ · الصفحة ٥٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٧ · ص ٥٣٩