اللغة في هذا العصر الشيخ محمد محمود الشنقيطي من الثناء على المحكم وعلى
النسخة الصحيحة الموجودة منه في المكتبة المصرية، وكان كلما قال لي هذه
الكلمة أقول له: وإذا يسر الله تعالى لكتاب (المغني) من يطبعه فأنا أموت آمنا على
الفقه الإسلامي أن يموت، ثم ما زلت أفكر في السعي لطبعة إلى أن هداني الله
تعالى إلى تبليغ أمنيتي هذه إلى السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام
نجد وملحقاتها، فبلغت عنه (أولا) أنه أيد الله به العلم والدين، وأعز بسيفه
الإسلام والمسلمين، عازم على طبع هذا الكتاب مع كتب أخرى لإحياء العلم
وتوسيع نطاقه في بلاده - ثم خاطبني هو (آخرا) في طبعه مع كتاب الشرح
الكبير، وطبع تفسيري ابن جرير وابن كثير، وكتب أخرى من كتب السنة والفقه،
وتلا ذلك إرساله المغني والشرح الكبير للمقنع؛ ليطبعا معا. وكذا غيرهما مما
عزم على طبعه، وقد شرعنا في طبعهما، والمطبعة غير مستعدة لإنجاز مطبوعات
كبيرة كثيرة؛ فأخذنا في إعدادها لذلك، وسيحصل المراد عن قريب بفضل الله
تعالى وقوته، وإنا وقد نجز الجزء الأول من الكتابين نبين بالإيجاز فوائدهما للأمة
الإسلامية، وكونهما في الفقه الإسلامي العام لا فقه الحنابلة فنقول:
تمهيد في اختلاف الأمة وسيرة الأئمة
قال تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (الأنبياء:
92) ، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأعضاء الجسد الواحد، ولم
يكن شيء أبغض إليه بعد الكفر بالله من الاختلاف والتنازع ولو في الأمور العادية،
ولما كان الاختلاف في الفهم والرأي من طباع البشر {ولا يزالون مختلفين * إلا
من رحم ربك ولذلك خلقهم} (هود: 118-119) خص الاختلاف المذموم في
الإسلام بما كان عن تفرق أو سببا للتفرق، وجرى على ذلك السلف الصالح
فحظروا فتح باب الآراء في العقائد وأصول الدين، وحتموا الاعتصام فيها بالمأثور
من غير تأويل، وخصوا الاجتهاد بالأحكام العملية، ولا سيما المعاملات، وكان
بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية ولا يكلفه موافقته في فهمه.
ثم إن كثيرا من كبار العلماء حاولوا أن يجعلوا اختلاف العلماء في مسائل
الأحكام رحمة بهذه الأمة، وتحقيقا ليسر دينها الذي ثبت بنصوص الكتاب والسنة،
ويتقوا ما حذر الله تعالى في كتابه من مضار التفرق والاختلاف الذي أفسد على
الأمم السابقة دينها ودنياها، وأنذرنا الله تعالى أن نكون مثلهم بقوله: {واعتصموا
بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (آل عمران: 103) إلى قوله {ولا تكونوا
كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} (آل
عمران: 105) وقد وجد في بعض الكتب حديث مرفوع، اشتهر على الألسنة
وهو (اختلاف أمتي رحمة) ولما لم يوجد له سند في شيء من كتب السنة قال
بعضهم: لعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا؛ احتراما لمن ذكروه
في كتبهم بالقبول أو التسليم، وحرصا على العمل بمعناه.
ولكن المتعصبين للمذاهب أبوا أن يكون الاختلاف رحمة، وشدد كل منهم في
تحتيم تقليد مذهبه، وعدم الترخيص للمنتمين إليه في تقليد غيره، ولو لحاجة أو
ضرورة، وكان من مناظراتهم في ذلك من طعن بعضهم في بعض ما هو معروف
في كتب التاريخ والتراجم وغيرها: كالإحياء للغزالي، وصار بعض المسلمين إذا
وجد في بلد يتعصب أهله لمذهب غير مذهبه: كالبعير الأجرب بينهم.
وقد وقع من الفتن بين المختلفين في الأصول وفي الفروع ما سود صحف
التاريخ، على أن الخلاف في الفروع أهون وأقل شرا، وقد ضعف في هذا الزمان
بضعف أسبابه في أكثر البلاد، ولكننا لا نزال نسمع بمنكرات قبيحة منه في أخرى،
من ذلك أن بعض الحنفية من الأفغانيين سمع رجلا يقرأ الفاتحة وهو بجانبه في
الصف فضربه بمجموع يده على صدره ضربة وقع بها على ظهره فكاد يموت.